دور علوم الحديث في حفظ ثقافة الأمة
الحمد لله رب العالمين والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وأصلي وأسلم على خير خلقك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
حقيقة أنه
ليسعدني ويشرفني أن أكون في هذا الصرح المبارك في هذا المكان المبارك مع هذه الوجوه
الطيبة وفي ضيافة أستاذنا بارك الله به الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي لا أقول علم
ديرعطية أو علم دمشق وإنما أقول علم الإسلام ولله الحمد فكم خرجت هذه البلدة
المباركة من أعيان لهذا البلد ولغيره وكم خرجت من رموز ومن كوادر ومن أطر وكما قال
تعالى البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه يسعدني أن أكون في هذا اليوم وفي ضيافتكم
الطيبة المباركة وأن يكون حديثي امتداداً لحديث أستاذنا حفظه الله الذي يتناول
السنة المطهرة وموضوعي يتناول دور السنة في حفظ ثقافة الأمة الإسلامية.
ذلك أننا نعلم
أن الأمة الإسلامية لا تمثل بإسلامها مجرد حالة دينية وإنما تمثل بالإضافة إلى ذلك
حالة حضارية ثقافية تتجاوز البعد الديني المرتبط في العبادة إذ يتجاوز الإسلام هذه
الأطر ليشكل نظام حياة ليشكل ثقافة ليشكل حضارة لمن عاش تحت مظلة الإسلام ولو كان
من غير المسلمين لأن الإسلام في الواقع يشكل ديناً لمعتقديه ويشكل ثقافة وحضارة لكل
من عاش على هذه الأرض الطيبة المباركة فكل من عاش عليها تجد في ثقافته ولو كان دينه
من غير الإسلام ثقافة هارون الرشيد ثقافة الأمين والمأمون لن تجد ثقافة إدوارد و
جيمس الأول ولا كاترينا ولا فكتوريا وإنما ستجد الرموز الإسلامية بكل أبعادها
الثقافية مركوزة لذلك يشكل الإسلام حالة من حالات الوحدة لهذه الأمة ويمثل الحديث
النبوي واحداً من أهم روافد الثقافة الإسلامية بل واحداً من أهم منابع الثقافة
الإسلامية ذلك أن الإسلام دين يقوم على أساس من الوحي وهذا ما يميز الفكر الديني عن
غيره من الأفكار الأخرى الفكر الديني مرتبط بالوحي ويرى أن المعرفة تأتي من طريقين
من طريق الحواس والمشاهدة والتجربة ومن طريق الوحي ،أما الفكر العلماني فلا يؤمن
بالوحي وإنما يؤمن بالمادة فقط لذلك فهي منافذ المعرفة وموارد المعرفة لديه الحس
الفكر الديني يزداد عليه بقضية الوحي فيمثل الوحي أحد أهم مصادر المعرفة في الفكر
الديني والإسلام يمثل الوحي فيه ركيزة أساسية وبنية متينة في هذا الصرح الثقافي ومن
هذا المنطلق فإن الوحي بمعناه العام الذي هو الكتاب والسنة أساس من أسس مصادر
الثقافة الإسلامية..
وحتى أبين دور
الحديث في المحافظة على ثقافة الأمة الإسلامية فقد قسمت موضوعي في الواقع إلى عدة
محاور أتناول هذه المحاور قسمت الموضوع إلى أربعة محاور في المحور الأول أقدم
تعريفاً عاماً طبعاً أقرب المسألة حتى يكون الأمر قريباً للأذهان .
تعريفاً عاماً
بالعلوم الإسلامية ثم تعريف بعلوم الحديث ثم منهج الحديث ثم الدور التاريخي لعلم
الحديث وأصحابه. فهذه المحاور الأربعة عندما نقول علوم الشريعة ونحن في صرح من أهم
الصروح الإسلامية في ريف دمشق فينبغي أن نستحضر تماماً أن الشريعة ليست حالة
العبادة المحصورة في الصلاة والصوم والزكاة كثير من الناس يتصور عندما نتكلم عن
الشريعة وعلوم الشريعة والعلوم الإسلامية أنها مجرد هذه الصورة الضيقة في الواقع إن
كل علوم الشريعة نشأت من مصدر واحد وهو النص الشرعي هذا النص الشرعي يحتاج أمرين أن
أضع منهجاً يثبت صحة هذا الوحي والنص وأن أضع منهجاً آخر يفسر هذا النص.. فأنا أمام
عمليتين على هذا النص الأولى أن أتأكد أن هذا النص القادم عن الله أو عن رسوله صحيح
النسبة إلى قائله ثم إذا ما ثبت أنه صحيح النسبة إلى قائله قرآناً أو سنة حتى عملية
التواتر للتي عرف بها صحة القرآن هي أيضاً من أدوات المحدثين حتى إذا ما عرف هذا
القول أنه صحيح النسبة إلى قائله أطبق عليه منهجاً آخر أفصله وأشرحه وهو المنهج
المعروف بعلم أصول الفقه علم أصول الفقه يحلل النص ويفصل النص من هنا تنشأ علوم
الشريعة فهي عبارة عن جملة مدخلات تخضع لمنهج ثم تخرج بشكل آخر يدخل النص الشرعي
كتاباً أو سنة إلى منهج لقسمين الجزء العلوي منه هو منهج الإثبات يثبت أن هذا النص
صحيح أو غير صحيح فيفرز ثابت وغير ثابت ثابت نص صحيح نص غير صحيح نص مقبول نص غير
مقبول النص غير المقبول ننحيه جانباً النص المقبول ينقل إلى الجزء الآخر.. من هذا
المنهج فيحلل هذا النص عبر قواعد أصول التفسير التي هي قواعد أصول الفقه فيحلل النص
فإذا كان النص الداخل مرتبطاً بصفات الله وبالغيب كان الحكم الخارج يدخل ضمن علم
اسمه علم العقيدة وإذا كان النص الداخل له علاقة في التهذيب والأخلاق كان الحكم
الخارج من أحكام الزهد والورع وغير ذلك والتصوف وإذا كان الحكم الداخل من البداية
له علاقة بأحداث حياة المصطفى
r
كان الحكم الخارج من هذا المكننة مكننة العلوم الشرعية يدخل
ضمن علم السيرة النبوية وإذا كان النص الداخل له علاقة بتنظيم شؤون الناس كان الحكم
الخارج حكماً فقهياً..
وهكذا نشأت
علوم الشريعة فعلوم الشريعة ليست مجرد قضية بسيطة ترتبط بتنظيم عبادة الناس وصلتهم
مع الله بل إنها قضية كبيرة ولدت مع النص الشرعي بعدما أخضع للإثبات وللتفسير
وتفصلت وتوسعت علوم الشريعة بناء على ذلك إلى أنواع وعلوم كثيرة فأصبح عندي علم
الفقه عندي علم السيرة عندي علم التصوف والتهذيب عندي علم العقيدة والتوحيد عندي
علوم كثيرة، وليس هذا فحسب بل كل واحد من هذه العلوم يحتوي مفردات هي كل واحد منها
علم الفقه جملة علوم ليس علماً واحداً العبادات علم المعاملات أقول علم وأنا محرج
هي علوم، هي علوم وليست علم المعاملات ثم الجنايات.
وهكذا لو
استعرضنا كل مفردات الفقه الرئيسة لوجدنا أنها اليوم في علم القانون كل واحد منها
يسمى علم فعلوم الشريعة قضية كبيرة جداً أستاذنا الدكتور وهبة في الموسوعة موسوعة
الفقه الإسلامي أراد أن يقدم بصورة مقاربة لطلبة العلم فبلغت تسع مجلدات تسعة
مجلدات هذه لا تسمى علم هذه تسمى علوم هذا فقط قضية الفقه فكيف إذا انطلقنا إلى
علوم و...، فعلوم الشريعة جملة علوم عظيمة قامت الأمة من خلال ألف وأربعمائة عام
بخدمة هذه العلوم فشكلت لها جذوراً ثقافية عميقة وأصيلة في تفكير الأمة اصطبغ تفكير
الأمة بهذه العلوم فليست قضية علوم الشريعة والعلم الديني والعلم الشرعي والثانوية
الشرعية وكلية الشريعة هي عبارة عن مادة التربية الإسلامية هذا مسخ، هي قضية أعظم
بكثير جداً تنظيم حياة، لذلك ربنا قال: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم
الحياة وتفصيل الحياة تحتاج أموراً كثيرة، الشريعة جاءت تفصل الحياة أنا ما أجد أي
كتاب أكبر من كتاب ينظم الحياة ،يعني لو أردنا تأليف كتاب ينظم كل الحياة.. فكم
سيكون كبيراً..! الشريعة كذلك، لذلك الصورة الممسوخة لعلوم الشريعة في أذهان بعض
المسلمين للأسف وذلك بسبب علمنة التعليم جعلت علوم الشريعة ممسوخة في أطر ضيقة..!؟
علوم الشريعة
واسعة تنظم الحياة، كتاب صغير مثل كتاب بلوغ المرام في أحاديث الأحكام للحافظ بن
حجر أورد فيه خمساً وعشرين باباً رئيسياً من أبواب المعاملات وكل باب من أبواب
المعاملات يستحق أن يفصل تحته مجلد على الأقل هذه الأبواب الرئيسة ماعدا الأبواب
الفرعية التي أغفلها، فعلوم الشريعة حقيقة ثقيلة تحتاج أولي عزم أن يقوموا بها، علم
الحديث من بين هذا البنيان الكبير وننتقل إلى المحور الثاني، في الواقع كان علم
الحديث يشكل منهج الإثبات الذي نثبت من خلاله النص يأتي النص أياً كان الذي يدخل
إلى منفذ السمع نص شرعي أو غير شرعي أو من الأحاديث التي تجري على ألسنة الناس
يحتاج هذا النص أو الخبر أن تتثبت منه على أي منهج وفق أي صورة يأتي علم الحديث
ليقدم ذلك، ونميز هنا بين أمرين اثنين، الأول الحديث بوصفه جملة نصوص يسمى الحديث،
وعلم الحديث بوصفه القانون الذي يحكم على هذه النصوص بالقبول والرد ،أمام الروايات
أداء الرواية وضبط الرواية هذا اسمه حديث أمامي منهج القانون الذي يفرز به علم
الحديث إلى مقبول ومردود، وأتوصل إلى معرفة المقبول والمردود من علم الحديث هذا
اسمه علم مصطلح الحديث.. ويقال له علم الحديث أيضاً فهذين العلمين في الواقع يشكلان
أساساً لعلوم الدين كلها، أما الأول الرواية لأن ما جاء عن الله هو رواية قرآن أو
سنة خبر..
أما علم الحديث
فهو ينظم لنا نصف العلوم الإسلامية لأننا ذكرنا أن النص الشرعي يحتاج عمليتين
الأولى إثبات أن النص صحيح والعملية الثانية أنه يحتاج إلى تفسير فالعلم الذي يضبط
إلى المقبول والمردود اسمه علم مصطلح الحديث أو علم الحديث، فإذن الحديث بوصفه
رواية شكل بنية علوم الشريعة الأساسية ومصدرها الأول وعلم مصطلح الحديث يشكل المنهج
الذي أسميناه منهج الإثبات الذي يتضافر مع عملية التفسير ومنهج التفسير تفسير النص
الشرعي فيعطي بعد ذلك علوم الشريعة والأحكام، فانظروا إلى مساحة علم الحديث رواية
وقواعد التي تضبط القبول والرد كم هي كبيرة وحتى نتصور عظم هذا الأمر الآن أنا أسأل
نفسي وأسأل الحاضرين أي خبر يرد إلى ذهني أو إلى سمعي متى يكون هذا الخبر
مقبولاً..؟
هو مقبول
بحالتين أو بشرطين الأول أن أتأكد من سلسلة الذين نقلوا لي الخبر أن هذا الخبر
موصول بصاحبه أنا لم أدرك الشيخ القصاب رحمة الله عليه فلو نقلت خبراً عنه مباشرة
هذا خبر منقطع لو نقلته عن أبنائه وطلبته وهم ينقلونه عنه فهذا اسمه إسناد متصل
فأول شرط من شروط قبول الخبر والرواية اتصال الإسناد..
الإسناد هو
سلسلة الناقلة أن تكون سلسلة الناقلة موصولة بغض النظر عن عملية أوصاف الناقلة
أوصاف الرواة يعني، أوصاف أهل الإسناد إذن الشرط الأول اتصال الإسناد الشرط الثاني
السلامة من الخطأ ، لازم أن يكون قد سلم هذا الخبر من الخطأ أي خطأ من كل أحوال
الأخطاء، كم نوع من الخطأ يمكن أن يرد على النص أربعة أنواع أن يسلم من الخطأ
المتعمد الذي اسمه الكذب أن يسلم من الخطأ غير المتعمد الذي هو السهو والنسيان
والغفلة، طيب ممكن يكون الراوي لا يكذب وأيضاً ضابط في الحفظ جداً هذا اسمه
معصوم..؟ لا ليس ملكاً معصوماً ألا يمكن أن يخطأ خطأ بشرياً
أي نعم فلكي
يقبل الحديث ينبغي أن يسلم من الأخطاء البشرية أن هذا الإمام الحافظ المتقن لازم ما
غلط هون، أيضاً هناك نوع من الخطأ تفرضه الحالة حالة الرواية فينبغي أن يسلم الحديث
من الخطأ بكل أنواعه والمحدثون وانظروا إلى دقة منهجهم.. قالوا كل نوع من أنواع
الخطأ يشترط شرط ينجينا من الوقوع في هذا الخطأ.. أما الخطأ المتعمد قالوا ليقبل
الحديث ينبغي أن يكون راويه عدلاً اشترطوا العدالة وهي ملكة تحمل صاحبها على اجتناب
الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر وترك ما يخل بالمروءة يعني قضية دينية اجتماعية،
دينية دين الرجل صحيح دين الرجل سليم هذا الرجل في دينه لا يكذب يخاف الله عنده
جانب من التقوى والورع، أيضاً عنده جانب اجتماعي ينبغي أن يكون الرجل على مستوى
اجتماعي مقبول يترك ما يخل بالمروءة مروءة أهل العلم، أهل العلم لهم سمت، لهم نوع
من العلائق أشياء مباحة يفعلها الناس، أهل العلم يمتنعون عنها لأنها تخل في
المروءة، فالراوي حتى يقبل حديثه ينبغي أن يكون عدلاً إن العدالة تمنع صاحبها من
الخطأ المتعمد، طيب والخطأ الغير متعمد، قالوا نشترط الضبط ينبغي أن يكون بالإضافة
إلى كونه عدلاً أن يكون ضابطاً يعني يؤدي ما سمع كما سمع من غير تحريف ولا تغيير
ولا تبديل سواء كان سمعه فحفظه أو سمعه فكتبه فيؤدي ما سمعه حفظاً أو كتابة على نفس
النحو الذي سمعه هذا اسمه الضبط، فساعة إذن السهو الغفلة النسيان لن نجد لها
سبيلاً، إذن نقبل حديث هذا الراوي..؟ لا نحتاج شروطاً أخرى، ألم نقل يمكن أن يكون
عدلاً وأن يكون ضابطاً ويمكن أن يقع في أخطاء بشرية لأنه ليس معصوماً، قالوا إذن
ينبغي في الحديث حتى يقبل إضافة إلى اتصال سنده وعدالة راويه وضبط راويه أن يسلم من
أخطاء الثقات فلا يقع الثقة فيه بخطأ يعني اشترطوا لذلك صفة انتفاء الشذوذ..
والشذوذ هو حالة يلقي فيها المحدثون القبض على أخطاء الثقات هؤلاء بشر إن المحدثين
مهما ارتقوا في سلم العلم فإنهم عند أهل العلم ليسوا معصومين لا يصلون إلى حالة
العصمة..
فإذن يخطئون
وحتى يقبل الحديث ينبغي أن نعرف أنهم لم يخطئوا هاهنا وهذا له في الواقع منهج دقيق
يقوم على أساس من الاستقراء ومن المقارنة _وسنمر على ذلك_ إذن صار عندي ثلاث أنواع
من الأخطاء وثلاث أوصاف تبعدنا عن الوقوع في مثل هذه الأخطاء، الخطأ المتعمد
العدالة تقي منه، الخطأ غير المتعمد الضبط يقي منه، أخطاء البشرية انتفاء الشذوذ
يقي منه الحديث ليس شاذاً، راوي الثقة ما تفرد بشيء فخالف فيه كل الرواة، كل الرواة
رووا الحديث بمعنى أو بصورة فجاء راوي ثقة فرواه بصورة أخرى، مجرد مخالفته إياهم
تدل على أنه هنا أخطأ، هذا خطأ بشري لأنه ليس معصوماً.
فهذه العملية
التي تلقي القبض على مثل هذا الخطأ اسمها انتفاء الشذوذ، وأما الخطأ الرابع وهو خطأ
الحالة ذلك أن طبيعة المروي طبيعة ملابسات الرواية قد توقع بالخلل فالعلماء قالوا
نشترط انتفاء العلة القادحة في الخبر الذي اتصل سنده وكان راويه عدلاً ضابطاً ولم
يكن الحديث شاذاً نشترط إضافة إلى ذلك انتفاء العلة.. إذن من أين يأتي الخطأ بعد
ذلك إن منهج المحدثين يتسم بصرامة مفرطة صرامة شديدة لا تغادر زاوية من الزوايا هذا
المنهج الصارم صبغ الفكر الإسلامي صبغ العقل المسلم أياً كان صاحب هذا العقل تاجراً
عالماً قائداً جندياً سياسياً رئيساً مرؤوساً صبغهم جميعاً في حالة الضبط
والاحتراز، فليست آذانهم تسمع هملاً لكل ما يجري في الفضاء ضبطوا منفذ السمع ونحن
نعلم أن منفذ السمع أحد أهم ثلاثة منافذ مهمة جداً للمعرفة بينها الله سبحانه
وتعالى بقوله
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ
مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ
وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)
سورة النحل
لا توجد عندنا
حالة من حالات المعرفة لا تعلمنا شيئاً، إذن كيف نتعلم..؟
سمع أبصار
أفئدة عندنا مجسات السمع مجس يصلك بالحادثة فتزداد خبرة بتحليلها بالعقل الحس يأتي
الطفل لا يعرف شيئاً وهو مسرور ويضحك فالمدفأة تتقد ونارها حمراء وهو لا يعرف أن
النار تحرق فيأتي فيضع يده فيتواصل في الحس مع النار فيتألم فيتحلل في عقله معرفة
جديدة فمرة أخرى لو أخذته تجره إلى النار سيبتعد لأن الحس بريد إلى المعرفة عن طريق
العقل،الحس بريد من برد المعرفة، السمع والأبصار الأبصار توصلنا مع الحوداث المرئية
التي تعاين، السمع يوصلنا مع الأحداث التي لم تعاين يوصلنا مع حدث أنا ما رأيته ما
عاينته لكن جاءني خبره نقل إلي الحدث.. أما البصر أنا أحيا في الحدث فأرى أمامي
الحدث فالأبصار والحواس الأخرى باستثناء السمع توصلنا بحوادث المعاينة لمساً وشماً
وذوقاً، عندما ألمس أعرف أن هذا ناعم مثلاً أو خشن ولو لم أره عندما أشم الرائحة
أعرف أنها رائحة زكية وهكذا أعاين الحادثة، بينما بالسمع أنا ما عاينت الحادثة نقل
إلي خبرها فلا بد أن أتصل إلى الحادثة عبر السند..
فإذن علم
الحديث يضبط لي منفذاً مهماً اسمه منفذ السمع، ومن هنا فإن كل من يتصور بأن علم
الحديث مقصور على الحديث يكون ضيق الأفق إن علم الحديث هو علم أصول الخبر أياً كان
هذا الخبر وأياً كان مصدر هذا الخبر فهو يضبط الأخبار المقدسة التي هي السنة
المطهرة حتى القرآن الكريم لأن قانون التواتر أيضاً يدخل في علوم الحديث وبه عرف
صحة نسبة القرآن إلى الله سبحانه وتعالى فيضبط الأخبار المقدسة ويضبط الأخبار التي
تجري على ألسنة الناس والأخبار التاريخية والأخبار الآن في لغتنا المعاصرة الأخبار
التي في وسائل الإعلام علم أصول الحديث يضبطها بل أكثر من ذلك يضبط ما يجري على
ألسنة الناس، تصوروا الآن أن رجلاً نقل إليه أن بعض الناس يقول عنك إنك فعلت كذا
وكذا إذا كان قد درس الحديث واطلع على منهج المحدثين يضحك ويقول هذا خبر رواته
مجاهيل وخبر المجهول مردود لا قيمة له أما عندما تغيب حقائق العلم فسنجد الكذابين
وأصحاب الشائعات يسيطرون على عقول الناس، وعندما يُفّعل علم أصول الحديث ويصبح
ثقافة شعبية على مستوى الناس جميعاً..
فساعة إذٍ لن
يعيش بين الناس لا كذاب ولا شائعة هذا منهج من مناهج التفكير أرساه المحدثون ووضع
المحدثون قواعد فأصبح مزية من مزايا هذه الثقافة الإسلامية الأصيلة العريقة ومن هنا
نستطيع أن نفسر جوانب من جوانب عظمة هذه الأمة في ثقافتها.
الأمة التي
بدأت أول آية منها نزلت على رسول الله
r
بــــــ
اقرأ
وهو رجل أمي إنها لتشير إلى أهمية الفكر والمعرفة
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الَّذِي خَلَقَ
(1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ
(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
(4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
(5) سورة العلق
إذن فإذا كان
أول خطاب من هذا النحو فنستطيع أن نفسر كيف نشأت علوم الشريعة على أسس موضوعية
فكرية معرفية شكلت نظاماً معرفياً متكاملاً بل منهجية متكاملة منهجية في التفكير
العالم اليوم في الواقع انفرد،الغرب ما ساد إلا عندما كان عنده منهجية واحدة
والمسلمون اليوم في الواقع ابتعدوا عن المنهجية الإسلامية، الغرب الآن يحلل ويفكر
بأسلوب واحد مهما اختلفت اختصاصاته الطبيب الفيلسوف المهندس العسكري المدني الفنان
الفنانة كلهم يفكرون بطريقة واحدة هي الطريقة العلمانية شكلت لهم العلمانية أفقاً
معرفياً..
أسلافنا كانت
علوم الشريعة تشكل لهم بقواعدها العامة منهجية نظمت عقولهم فما كانوا مختلفين بل
كانوا مؤتلفين وإذا اختلفوا في الفكرة فإن هذا باختلاف التنوع من خصوبة الرأي والله
سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين من أجل أن نتزايد معرفة
يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ
(13) سورة الحجرات
لتزدادوا
معرفة فهذا التنوع يعطي خصوبة معرفية، فاختلاف أسلافنا كان من باب الخصوبة المعرفية
واختلافنا اليوم يؤسف أنه من باب الخصومة وليس من باب الخصوبة لأننا في الواقع
ابتعدنا عن الرؤية المنهجية التي أرستها علوم الشريعة إن مجتمعنا بحاجة إلى علوم
الشريعة وهذه الثانويات مهما كانت بسيطة إنها بأمس الحاجة لان تدخلها علوم الشريعة
لا أن تنحسر عنها لأن علوم الشريعة هي بمثابة الرؤيا التي تسدد العقل المسلم
والعربي تسدده جيداً لذلك لو أنني تكلمت بلغة أعمق إن منهج العلوم التجريبية التي
أرساها ابن الهيثم اعتمد فيها على الاستقراء الذي أرساه المتكلمون والأصوليون
والمحدثون،فعلوم الشريعة كان لها فضل على العلوم التجريبية لذلك أصبح عندنا ما يسمى
بالاستقراء التجريبي لذلك لا تستهينوا بعلوم الشريعة ينبغي أن يعرف الجميع مكانتها
وحجمها،المحدثون في منهجهم هذا المنهج العظيم الذي أرسوا فيه هذه الرؤية الفكرية
وضبطوا في الواقع ضبطوا الوحي أو ما نقل على أنه وحي وبينوا مقبوله وبينوا مردوده
هذا المنهج الذي أرسوه شكل كما بينت ضبطاً لمنفذ الخبر..
من هنا نذكر
المحاولة الرائعة التي قام بها الدكتور رستم أسد وهو رجل غير مسلم رجل مسيحي قدم
لكتاب له اسمه مصطلح التاريخ.. ماذا قدم الدكتور رستم أسد..؟
يقول إننا
بحاجة لأن نفيد من منهج المحدثين في القبول والرد لضبط الخبر التاريخي وليت
المؤخرين اعتمدوا منهج المحدثين في الضبط التاريخي كلام من رجل غير متدين أصلاُ
لكنه نظر إلى رؤية المحدثين بوصفها منهجاً لضبط المعرفة فيقبل التعميم خارج إطار
النص الشرعي النص التاريخي، وهذا من مجرد كتاب اطلع على كتاب واحد وهو كتاب فتح
المضيف للسخاوي فهذا الكتاب فتح له هذا الأفق الواسع ونحن نزيد على هذا الكلام إننا
بحاجة لأن يصبح منهج أصول الحديث أو منهج الجرح والتعديل ومنهج القبول والرد الذي
أرساه المحدثون طريقة من طرائق التفكير الشائعة عند الناس تضبط حتى الخبر في وسائل
الإعلام كل يوم نسمع الأخبار، بتتطلعلنا نشرة الأخبار تون تون الخبر الفلاني ونقرأ
في الجرائد والصحف والفضاء الآن انفتح عالمياً ما قيمة هذه الأخبار الذي عنده منهج
أو اشتم قواعد منهج المحدثين في الواقع يتحرز ولا يقع أسير هذه الأخبار التي تشبه
الشائعات فنحن بحاجة لأن نعمم تجربة المحدثين على المعارف التي لها على بمنهج
السمع، المحدثون ضبطوا لنا منفذ السمع والفقهاء ضبطوا لنا منفذ الفهم فنحن نفهم من
خلال جهد هؤلاء العلماء الذين ضبطوا لنا منفذ السمع والفهم، والفهم في الواقع من
قول تعالى: السمع والأبصار والأفئدة. والفؤاد يراد به العقل، لهم قلوب لا يعقلون
بها لا يفقهون بها، من الذي ضبط منفذ الفهم..؟
علماء أصول
الفقه، إذن علوم الشريعة وفي بدايتها علم أصول الحديث لأنه منطلق من النص انطلق كل
الفقهاء محدثين متكلمين انطلقوا من النص الشرعي والمحدثون أصحاب البضاعة التي هي
النص فالمحدثون في مقدمة علماء الشريعة أرسوا هذا المنهج الدقيق العظيم الذي شكل
نوعاً من التوازن الفكري في المجتمع مهما اختلفت ألوان سكان هذا المجتمع ومهما
تباينت ثقافاتهم وأعراقهم ولغاتهم وأديانهم كانوا ينضبطون إلى هذه الرؤية العامة
التي غابت اليوم وينبغي على المؤسسات الشرعية كليات، ثانويات شرعية، إعداديات
شرعية، ونسأل الله تعالى أن تعود الإعداديات إلى وضعها الرشيد وأن يتاح الأمر إلى
ابتدائيات شرعية أيضاً على غرار الأزهر العظيم الأزهر فيه المستوى الابتدائي
المدارس الأزهرية من الابتدائي تستمر إلى الإعدادي إلى الثانوي فالجامعي وتم افتتاح
تحت مظلة الأزهر كليات علمية وكونية عامة ساعة إذٍ عندما توجد مثل هذه الرؤية تنضبط
عقول المسلمين جميعاً حتى الاختصاصات العلمية تحتاج إلى مادة الثقافة الإسلامية
تحتاج إلى ثقافة رؤية، نظام إسلامي شامل يضبط الحياة الطبيب بحاجة إليه المهندس
بحاجة إليه ليس الأمر أمر مشيخة فقط إنه أمر معرفة وهذا المخلوق خلقه الله عارفاً
فينبغي أن يتفهم الشريعة لأنه تشكل له المظلة الحقيقية للمعرفة، فليست جهود الشريعة
وجهود علماء الشريعة هي عبارة عن نثور دينية مطلقة هكذا تطلق كفقاعات في الهواء
إنها أسس موضوعية أسس للضبط أسس للنقد وعلم النقد الآن أخذ مجالاً كبيراً في كل
المجالات النقد الأدبي والنقد العلمي والنقد التجريبي، فعلوم النقد الآن أخذت
مجالاً كبيراً وعلماء الشريعة وعلى رأسهم المحدثون هم من أهم النقاد الذين خدموا
هذا العلم من قبل ألف وثلاثمائة عام.
إذن بهذا العلم
تتميز جهود المحدثين بأنها قامت على أساس من الاستقراء، والاستقراء تتبع الظاهرة من
كل جوانبها، عندما أريد أن أدرس ظاهرة ما فينبغي أن أتتبع جوانبها هذا اسمه
الاستقراء، إذا تتبعت الجوانب كاملة من كل زواياها كان اسمه استقراءً تاماً، إذا
تناولت بعض جوانبها كان اسمه استقراءً ناقصاً، المحدثون أرسوا علم الحديث بعد
استقراء كامل لكل الروايات،ولكل الروايات، لا يوجد رواية إلا الروايات التي جمعوها،
وحددوا ما يسمى بالمدار،أن هذه الرواية تجتمع كل الأسانيد عند فلان، أو فلان وفلان
مثلاً فجمعوا الروايات وحددوا مدار كل الروايات، فلا يوجد رواية صحيحة أو حسنة أو
ضعيفة أو شديدة الضعف أو شاذة أو حتى موضوعة ومكذوبة إلا جمعوها، ولا يوجد راو مهما
كانت درجته إلا أعطوه حكماً، ولو كانوا لا يعرفون عنه شيئاً قالوا مجهول وهذا حكم،
فبني منهج المحدثين على استقراء تام ونحن نعلم بأن الظاهرة العلمية أياً كانت إذا
بنيت على استقراء تام فإن مردوديتها ستكون عالية جداً،تصور أنني أدرس ظاهرة الفقر
في بلد من البلدان إذا استقرأت خمسين فقيراً وبنيت دراستي على خمسين فقيراً هل هو
كما لو بنيتها على خمسمائة فقير؟
كلما وسعت
دائرة الاستقراء اتسمت دراستي بالموضوعية وكانت نتائجي صادقة فكيف إذا أحصيت كل
الفقراء وبنيت دراستي على إحاطة كاملة بكل الأسئلة المحيطة بهم، إنها نتيجة تكاد
تكون قاطعة فالمحدثون بنوا أحكامهم على السنة بعد استقراء تام ثم المنهج الثاني من
مناهجهم المقارنة، المقارنة تقرب، عندما أجري مقارنة بين شيئين يسهل فهمهما يسهل
تحديد مكنونات القضيتين العلميتين لذلك في المناهج المعاصرة صار عندي الأدب المقارن
والفقه المقارن وألسنيات المقارنة والتربية المقارنة لماذا؟ لأن منهج المقارنة منهج
في الواقع يقارب المعرفة ويزيد من وثوقيتها، الإسلاميون وعلى رأسهم المحدثون، هم من
أهم من تكلم في المقارنة فلا يعرفون ضبط الراوي إلا بعرض رواياته على روايات غيره
فيجمعون كل الروايات وكل الرواة فإذا رأوا أن أشخاصاً معينين لا تختلف ألفاظهم
أبداً في كل هذه الروايات قالوا هؤلاء أهل الضبط والإتقان، وجهدهم وأقوالهم هو
بمثابة مقياس الذي تقاس عليه أقوال غيرهم من المحدثين فقاموا بعملية المقارنة
وأعطتهم مردودية عالية جداً، ثم أيضاً اعتمدوا على مفاهيم كمية على أرقام ونحن نعرف
بأن المنهج التجريبي يكاد يكون قاطعاً، ليس قاطعاً ولكنه شديد الوثوقية وثوقيته
عالية جداً لأنه يعتمد على كمون طول الأمر الفلاني وزنه طول الأشعة بالأنغستروم وما
إلى ذلك والتكافؤ كله أرقام فهذه أرقام قاطعة وزن هذا الكأس واحد تقريباً لا يختلف
إلا بارتياب بسيط جداً جداً جداً يمكن أن توزن هذه القضايا بكمون فالمعرفة الكمية
تكاد تكون صادقة لأنها تخضع للتجربة أما العلوم الاجتماعية والإنسانية ومنها
الشريعة يصعب أن تخضع للتجربة، أنا أريد أن أدرس ظاهرة الفقر، أريد أن أدرس ظاهرة
ما علمية أضع معايير كيميائية في الاختبار وحمض وما إلى ذلك فأتوصل إلى نتائج..
لكن عندما
أريد أن أدرس ظاهرة تربوية كظاهرة الفقر كما أسلفت هل أستطيع أن آتي بالفقراء
وأجعلهم في الإبريق وأسلط عليهم الكهرباء فأتوصل إلى نتائج..! يصعب ذلك فأنا بحاجة
في الواقع إلى منهج آخر أريد منهجاً قريباً من ذلك، المحدثون كان منهجهم يعتمد على
كمون وأرقام، فمفهوم الحديث المتواتر على أرقام، مفهوم حديث الآحاد على أرقام،
الغريب العزيز،الجرح والتعديل هل هو من شخص أو من أكثر من شخص، متى يسمى الحديث
بهذا الاسم بناء على عدة روايات، اثنان يصبح غريباً،اثنان يصبح عزيزاً،أكثر من
ثلاثة يصبح متواتراً.. وهكذا فبني على متون والمتون صادقة، أيضاً يتميز علم أصول
الحديث بالتطبيق يعني علم مطبق مجرد، ليس افتراضات نظرية جرب على النصوص الشرعية
فنتائجه بعد التطبيق وهذا شيء مهم للغاية إن كثيراً من اعتراضات من يعترض على بعض
أحكام المحدثين يقول ربما نسي المحدث ربما فاته ربما...هذا الاحتمال في الواقع قبل
البحث جيد أما بعد البحث لا قيمة له، تماماً كرجل تقدم إلى الامتحان وبعدما قدم
الامتحان وقبل النتائج تسأله كم تأخذ يقول لك يعني أتوقع سبعين بالمائة أن أنجح،
جميل، كم احتمال أن تأخذ مائة في المائة؟ صفر،كم احتمال أن تأخذ خمس وثمانين؟
احتمال أربعين في المائة أن آخذ خمساً وثمانين. كم احتمال أن تأخذ خمساً وسبعين؟
سبعين في المائة أن آخذ خمساً وسبعين. فوضع احتمالات معينة ظهرت النتائج فكانت
نتيجته تسعاً وسبعين الآن الاحتمال الذي هو ما احتمال أن تأتي بخمس وسبعين؟ قال
احتمال سبعين في المائة.لا الآن أصبح مائة في المائة لأنه بعد الوقوع فالاحتمال
بعد الوقوع لا يسمى احتمالاً صار حقيقة، وأحكام المحدثين لما نظرواً وبحثوا وفتشوا
صارت واقعاً فلا تأتي بالاحتمالات لعل الشافعي أو لعل البخاري نسي أفلا يمكن أن
يكون هناك سبب آخر...إنهم وضعوا كل الأسباب على طريقة السبب والتقسيم عند الأصوليين
وضعوا كل الاحتمالات الواردة على الواقعة ودرسوها احتمالاً احتمالاً وانتخبوا
الاحتمال النهائي القوي وأعطوه حكماً وشهد له الواقع، فأحكامهم تطبيقية، وليست مجرد
أحكام افتراضية. هذا كله في الواقع جعل المحدثين من أهم من يضبط للأمة مصدر الخبر
والوحي تحديداً فهذه الجهود جعلت من المحدثين قادة في المجتمع الإسلامي، لأنهم
ضبطوا الوحي، نظموا المعرفة الإسلامية طبعاً جهدهم هو بعض الجهد، الأصوليون أكملوا
هذا الجهد بمنهج الفهم ولا يمكن أن تفهم مفاهيم علوم الشريعة بعيداً عن الأصوليين
والمحدثين، وبما أن حديثنا اليوم عن المحدثين ودور المحدثين في ضبط ثقافة الأمة
فأنا أشير إلى ما يتعلق بعلم الحديث، فذاك الأمر يحتاج إلى منهج الأصوليين ودورهم
الرائع في إكمال قضية نظم المنهجية الإسلامية وضبط الفهم والتفكير الإسلامي، ليس
فقط في فهم النص الشرعي بل في فهم كل الظواهر.
فإذاً أسهموا
في وضع المنهجية الصحيحة للتفكير،وخدموا المعرفة الإنسانية بضبط منفذ الخبر وأيضاً
ضبطوا كما بينت مصدر العلم الشرعي وهو الخبر لذلك ندرك أن رجلاً مثل الإمام أحمد بن
حنبل رحمه الله تصدر هذه المكانة العظيمة عندما وضعت قضية خلق القرآن، الإمام أحمد
بن حنبل بوصفه محدثاً مرجع من أهم مراجع الأمة كان هناك مراجع كثيرة أحس الإمام
أحمد بضرورة أن يقف مثل هذا الموقف فوقف الإمام أحمد رحمه الله هذا الموقف الذي
تميز به المحدثون من دون بقية علماء الشريعة لأن هناك نوع من الضبط لمصدر المعلومة
الشرعية فنوع من المرجعية النهائية إليهم، وقف الإمام أحمد هذا الموقف كان موقفاً
عظيماً، نمشي إلى نفس الوتيرة إلى رجل عاصر الإمام أحمد بن حنبل وهو الإمام يحيى بن
معين.. يحيى بن معين سُئل كم حجم هذه الأحاديث الموضوعة والمنتشرة..؟ فابتسم وقال
للرجل: تعيش لها الجهابذة هناك أشخاص متخصصون لطالما جمعوا مدارات الأحاديث، هذا
الحديث مداره على فلان، وهذا مداره على فلان وهذا على فلان ضبط المعرفة الحديثة..
فمن جاء من خارج هذه الطريق فمن أين أتى بها! من خارج إطار المحدثين، من خارج إطار
النقلة،إذاً ابتكر طريقة _فلذلك قال تعيش لها الجهابذة_ ومن هنا وقف الإمام الدار
قطني موقفاً عظيماً، أبو الحسن الدار قطني كان له موقف كبير جداً وقف بين أهل بغداد
وصاح بهم قائلاً يا أهل بغداد:
لا يظنن أحد أن
يكذب على رسول الله
r
وأنا بين أظهركم.
لا تفكروا أن
أحداً ممكن أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم طبعاً ليس عنده قوة أمنية أو
ضغط على ألسنة الناس حتى يمنعهم لا، لكن عنده مفاصل ضبط الرواية،الأحاديث المنقولة
كمتون فقط كنصوص عن رسول الله
r
تتجاوز خمسين ألفاً، طرقها كثيرة،الخمسين ألف كل واحد منها
مجموع ضمن شجرة وهذا ضمن شجرة وذاك ضمن شجرة فمدارات الأحاديث مجموعة فلا تتوقعوا
أن يكذب رجل طالما المدارات مضبوطة، فلا يظنن أحدكم أن يكذب على رسول الله
r
وأنا بين أظهركم.
ثم يأتي هارون
الرشيد وقد وقف موقفاً استمراراً لموقف أبيه المهدي، المهدي كان سيفاً على
الزنادقة، الذين اندسوا في الإسلام وأراد التشويه وأوقع بينهم هؤلاء يسموا
بالزنادقة، فضبط زنديق وأقر بفعلته أيام الرشيد.. فالرشيد أراد أن يقيم عليه عقوبة
فأراد أن يسترحم الرشيد هذا الزنديق قال: أين أنت يا أمير المؤمنين من ألف حديث
وضعتها كذباً على رسول الله
r
قال له الرشيد:
قال أين أنت يا زنديق من أبي اسحق الفزاري، وعبد الله بن المبارك ينخلانها
فيخرجانها حرفاً حرفاً، لطالما نحن لا نقبل الحديث إلا مع راويه واسمك إذا درج في
القائمة مع الرواة إذن اسمك مع القائمة السوداء ألقينا القبض على رواياتك كل
رواياتك رميناها جانباً.
شوفو القيادة
التاريخية لأهل الحديث كيف كانت تضبط أي حالة اندساس في ثقافة الأمة فعلماء الشريعة
كانوا ولا يزالون هم الذين ينظمون ثقافة الأمة ويدافعون عن حياض هذه الأمة في وجه
حملات التغريب التي تريد أن تنقض على الهوية.. والهوية يا إخواننا تتجاوز الدين
أوسع من الدين، لا شك أهم ما نعتز به هو الدين، الهوية أوسع من ذلك.. فعلماء
الشريعة هم أهم من ينافح ويدافع عن الدين.. وعن الهوية فالهوية هي التي تسم هذه
الأمة بميسم كيف أكون بين أمم الأرض إذا لم يكن لي هوية متميزة. فأنا منحل بين تلك
الأمم وكل عوامل العولمة والتغريب اليوم تريد أن تذيب الثقافة الإسلامية وبعدها
تدخل حتى في المفهوم الديني، يعني إذابة مفهوم الثقافة ثم إذابة الفهم الديني، وقد
وضع هنالك بعض الأشخاص المتشدقين وأسماء دكاترة وما إلى ذلك وبدؤوا يروجون لمثل هذا
الفكر الذي بدا الغزو فيه إلى صميم علوم الشريعة ضمن أشخاص وألقاب ولحى ودكاترة
شريعة وغير ذلك،
إن العلم ليس
شهادة وما ضعف العلم إلا لما أطر بأطر شهادات ومؤسسات كان العلم لدى أسلافنا
متميزاً بنظام يبدأ في السنة الرابعة من عمر الطالب وينتهي في الخامسة عشر ويأخذ في
تلك السن إجازة، إن نظامنا التعليمي كان متميزاً.
أما النظام
العالمي المعروف ستة ثلاثة ثلاثة أربعة،الذي هو ستة ابتدائي وثلاثة إعدادي وثلاثة
ثانوي وأربعة جامعي، هذا نظام غربي جاء فمسخ لنا حجمنا الثقافي وبدد لنا طاقات
الأمة فأصبح الإنسان لا يعمل إلا بعد أن يأخذ الإجازة وهذا بعد أن يكون عمره 22عام
23عام فتجمد طاقات الأمة، بينما في نظامنا الإسلامي العريق الحصين الأصيل ابن15عام
معه إجازة يعني عضو فاعل في المجتمع عضو منتج، هناك شلل ثمان سنوات، ثمان سنوات من
15 إلى 23، تجد طالباً عاجزاً يعني قاصر ابن عشرين سنة يأخذ من أبيه أجرة الطريق.
هذا النظام لا
يستقي من ثقافتنا في الواقع ونحن نحيا فيه،هذا النظام التعليمي،علماء الشريعة أرسوا
رؤيا للعلم للتربية للفكر المحدثون كانت لهم جهود كبيرة في ذلك والمدارس الحديثية
انتشرت في العالم الإسلامي من أوائل المدارس كانت موجودة،لخدمة هذا النظام، إذن
أستطيع أن أقول إن ما قام به علم الحديث وما قام به المحدثون ليس دفاعاً عن الهوية
فحسب بل خدمة للفكر الإنساني كله بطوله على مدى تاريخ البشرية وذلك من خلال تأصيل
حقيقي منهجي وضبط لمنافذ المعرفة فالأمر يتجاوز قضية مجرد ضبط النص الشرعي ويتجاوز
ضبط الوحي، بل يصل كما أسلفت إلى عمق المعرفة الإنسانية فهو أساس ينبغي أن تفيد منه
كل النظم التربوية والنظم الفكرية وحتى الفلسفات القائمة ينبغي أن تفيد من هذا
الأمر وهذا مرهون بجهود علماء الشريعة وطلبة العلم أن يتجهوا إلى الجوانب المنهجية
في علوم الشريعة، لأن العلماء ولا سيما علماء المناهج يعانون من ضعف فيما يعرف
بمناهج العلوم الاجتماعية يعني ما عندنا مناهج دقيقة تستطيع أن توصلنا إلى حقائق كل
ما لدينا هو جملة رؤى..
قضية مثلاً
على مستوى علم التربية تطرح قضية في عينة 200_ 500 إنسان في جامعة معينة يدرسون على
شريحة معينة ثم يعطون أحكاماً للبشر جميعاً لا يمكن أن تسمى هذه حقائق علمية،
وأجروا تجربة على 5000 طالب في جامعة من جامعات أمريكا مثلاً أو فرنسا أو أي مكان
آخر هل نستطيع أن نعطي حكماً للبشر جميعاً بناء على 500 فرد في رقعة من رقاع العالم
فنعمم قانوناً على البشر جميعاً منذ أن خلقهم الله، فلذلك نقول مثلاً، كثيراً ما
نجد هذا في المناقشات والمحاضرات والتلفزيونات هذه حقيقة علمية دراسة أجريت في مركز
كذا وكذا على عينة لا أعلم كم عددها سبحان الله متى كانت هذه حقائق علمية هذا مسخ
هذه ليست حقائق علمية محترمة لكنها لا تصل لدرجة الحقيقة فالعلوم الاجتماعية لم
تنظم لنا حقيقة مطلقة ولا مقاربة أما مناهج المحدثين وهي تخدم العلوم الاجتماعية
قدمت لنا رؤى دقيقة جداً يمكن أن تعمم طبعاً مع تعديل بسيط لمفرداتها أما قواعدها
العامة قواعد الاتصال قواعد الضبط قواعد العدالة قواعد الابتعاد عن الخطأ ونبذ
الخطأ متعمد وغير متعمد ممكن من خلالها أن يوضع منهج مقارب يخدم البشرية فليست جهود
المحدثين فقط مقصورة على الساحة الإسلامية ولا على النص الشرعي وإنما على الساحة
العالمية..
ومن هنا لا بد
أن نذكر حقيقة مهمة وهي ضرورة أن تعمم هذه القواعد وتصبح ثقافة شعبية، يعني لو أننا
نظرنا إلى احتكام الناس إلى القواعد، القواعد هي أحكام كلية يخضع لها الناس وطبيعة
الناس يدينون للقواعد الآن لو اختلف اثنان في أي مسألة من مسائل البيع، يقول لك يا
أخي وينك العقد شريعة المتعاقدين يمكن الاثنان لا يعرفون كتابة أسمائهم لكنهم
يخضعون لهذه القاعدة ولسلطانها القواعد لها سلطان على عقول الناس العقد شريعة
المتعاقدين طبعاً نحن في ثقافتنا الإسلامية وفكرنا الإسلامي لا الشرع شريعة
المتعاقدين، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً طبعاً بعد
إذن أستاذنا بارك الله به وهو يقوم لنا هذه الفكرة.
إذن هذا هو
الأساس ومع ذلك كل الناس يخضعون لها، يختلف اثنان جهال ليس لهم معرفة علمية بيقلك
(وينك يا أخي القانون لا يحمي المغفلين)أمرض أنا فتقول لي جدتي الضرورات تبيح
المحظورات أفطر في رمضان، طبيعة الناس تخضع للقواعد مهما كان مستوى هؤلاء الناس
ومهما كان بعد ثقافتهم فإنهم يخضعون للقواعد فخضوع الناس للقواعد يعني هناك إمكانية
لتدويل الثقافة وتعميم الثقافة.. فلو أن علماء الشريعة والمحدثين تحديداً قاموا
فاستخلصوا لنا قواعد على غرار القواعد الفقهية القواعد الفقهية لكانت رائدة جداً..
وهناك مشروع
في عام 1975 جامعة الدول العربية صادقت على ما يسمى القانون المدني العربي الموحد
موحد لكل العالم العربي وهو مستفاد من خمس وثمانين قاعدة شرعية والمشروع كان على
رئاسته الشيخ مصطفى الزرقا رحمة الله عليه وبقي حتى منتصف الثمانينيات ثم تركه ولم
يكتمل المشروع حتى هذه اللحظة كل القانون المدني العربي الموحد قام على خمس وثمانين
قاعدة فقهية فانظروا إلى قيمة القواعد، لو أن المحدثين الآن استخرجوا لي من علوم
الحديث، ضبط ابن الصلاح خمساً وستين نوعاً، استخرجوا لي قواعد500قاعدة 400 قاعدة
300 قاعدة رؤوس القواعد الأساسية يعني يكون عندي خمسين قاعدة أساسية ومئتي قاعدة
فرعية وهذه القواعد الأساسية أصبحت ثقافة شائعة مثلاً على سبيل المثال خبر المجهول
مردود، مثلاً بتحكي أنت بتقول والله جارتنا قالت.. والله فلانة، من جارتنا ومن
فلانة هذه كلها مجاهيل فعندما أقول خبر المجهول مردود خلص هذه ثقافة عندي أول ما
يأتيني هذا الخبر أقول خبر المجهول مردود..
إذن أنا ثقبت
هذا البالون بهذه القاعدة فلذلك نحن بحاجة إلى أن نحول قواعد الحديث أو علوم الحديث
إلى قواعد على غرار القواعد الفقهية وهذا ييسر تماماً تحويل هذه القواعد إلى ثقافة
شعبية ولا سيما إذا كان لها تمثيل إعلامي يعني قواعد هناك من سعى في القواعد الخمس
وثمانين التي بني عليها القانون العربي الموحد هناك من أراد أن يحولها إلى أعمال
درامية تمثيليات، مثلاً:
الضرورات تبيح
المحظورات ينشؤون عليها تمثيلية حلقة كاملة، الضرر يزال، هذه القواعد المشهورة
الأمور بمقاصدها فتحويلها في وسائل الإعلام في الحقيقة تغرزها في نفوس الناس ولا
سيما أن الناس يدينون للإعلام دينونة واسعة وكبيرة.. فنحن بحاجة من خلال قواعد
المحدثين أو علوم الحديث أن نحولها إلى قواعد فتستطيع ساعتئذٍ أن تضبط ثقافة الناس
وأن ترد للناس آلية تفكير واحدة الآن معظم الناس لا يفكرون بطريقة واحدة طرق
مختلفة،طبعاً الناس ينبغي أن تفكر بطرق مختلفة في الجملة لكن في مظلة شاملة للجميع
أن اختلاف طرائق التفكير من باب خصوبة الرأي هذا لا إشكال فيه ولكن اختلاف طريقة
التفكير كلياً ومنهحياً هذه أزمة هذا أصبح مثل حوار الطرشان وأمتنا تعاني منه سيادة
علوم الشريعة بمناهجها يوحد ذلك والعملية التي ذكرت تعميم قواعد المحدثين بطريقة
شعبية عبر وسائل الإعلام في الواقع يمكن أن تحقق شيئاً من ذلك..
هذا ما أحببت
أن أقدمه مبيناً جهود المحدثين وما يمكن أن يوظف من أعمالهم ومن جهودهم في خدمة
الثقافة الإسلامية وضبطها بل وفي خدمة الثقافة الإنسانية.
أسأل الله
العظيم رب العرش العظيم أن يلهمنا رشدنا وأن ينفعني وإخوتي بما ذكرت.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مداخلة الشيخ الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد
أيها الأخوة
الكرام: الناس الآن مبهورون بتقدم الغرب وتطوره وإعلامه وحضارته وإمكاناته
المتطورة ذلك راجع إلى أنهم برعوا في العلوم التجريبية وطوروا الآلة وبحثوا في
القضايا وإذا كان ديكارت هو أبو العلم التجريبي فقد سبقه أئمة المسلمين كابن الهيثم
وجابر بن حيان وغيهم من علماء الكيمياء والفيزياء والفلك فهم الذين ابتكروا العلم
التجريبي لكننا نحن الآن وقفنا والغرب تقدم فأصبحت المسافة بيننا بعيدة وصار الناس
في الأوج المسلمون والعرب في الدرجة الأولى أصبحوا ينادون بتطبيق كل ما جاءنا من
الغرب بقضه وقضيضه وتركوا الأصول الإسلامية وأبعدوها تماماً عن الساحة العلمية
العلوم نوعان:
إما علوم
تجريبية وإما علوم عقلية ونظرية أو إنسانية.. فالعلوم التجريبية كما ذكرت لكم أما
العلوم العقلية والتجريبية والإنسانية فتحتاج إلى توثيق لنطمئن على صدق الخبر وكيلا
تروج بين الناس أفكار مغلوطة أو ثقافات مهزوزة يبنون عليها حياتهم في شؤونهم العامة
والخاصة لذلك كان علماء المسلمين في أقصى غاية الإخلاص ورقابة الله
Y
حينما وثقوا العلوم الإسلامية من أجل خدمة المسلمين إلى ما شاء
الله من الأجيال هذا التوثيق يفتقده الآن الغربيون هم نجحوا في العلوم التجريبية
لكنهم أخفقوا وفشلوا في العلوم الإنسانية والعلوم العقلية فهي غير موثقة على
الإطلاق..
لذلك إعلامهم
كاذب وأخبارهم غير موثوقة ورواياتهم التاريخية غير دقيقة وكل معلومات الإنسانية في
الواقع هي مهزوزة ولا شك أن ضبط العلوم العقلية هو أعقد وأهم وأخطر من العلوم
التجريبية لأن التجربة تعتمد على تفاعلات كيميائية أو مادية أو تخطيطات لآلات محددة
بمواصفات معينة فالعلوم العقلية تحتاج هي إلى التوثيق، الغرب إلى الآن هو فاشل في
تقليد المسلمين الذين وثقوا هذه العلوم.
ولذلك اتجهت
جهود بعض الثقات والحكماء والعقلاء كأسد رستم والأستاذ الذين كان عميداً لكلية
الشريعة الأستاذ يوسف العش فأخضع علم التاريخ إلى التوثيق الذي استفاده من المحدثين
بأن يكون الخبر مروياً بسند صحيح وهم رواة هذا الخبر واحداً عن واحد عن واحد إلى
المصدر الأصلي حتى تكون الرواية التاريخية سليمة.. فلذلك قالوا ثلاثة لا أصل لها
التاريخ والسيرة والعلم الثالث قالوا أيضاً لا أصل له لأنه ليس موثقاً فنحن نفخر
أيها الأخوة الكرام بأننا خدمنا الثقافة الإسلامية كما تفضل الدكتور عماد وخدمنا
الفكر الإسلامي وكنا أمناء على عقول الناس وثقافتهم حتى لا يقعوا في الخطأ لأن
الخطأ قد لا يمكن تلافيه فالخطأ في مصدر ثقافتنا كان الركيزة الأولى التي ركز عليها
علماء الحديث فأوصلوا لنا السنة النبوية مغربلة فأزالوا عنها الشوائب والدخيل
والموضوع وجعلوا الحديث مراتب صحيح في أعلى درجات الصحة وحسن يليه في المرتبة لأن
ضبط المحدث اختل من نسبة5% أو 3% فقالوا هذا حسن لأن ضبط هذا الراوي أقل من ضبط
الذي روى الحديث الصحيح حافظته وذاكرته 100% لا تخطأ ثم قالوا هناك الحديث المتواتر
والمشهور..
وهنالك أحاديث
ضعيفة ويقبل الحديث الضعيف في فضائل الأعمال بشرط ألا يكون ضعفه شديداً وألا يكون
مردوداً عقلياً ولا يصادم النصوص الشرعية، فلذلك نحن ندين لهؤلاء العلماء الثقات
والجهابذة كما تفضل مثل يحيى بن معين وعبد الله بن المبارك وأبي اسحق الفزاري
وغيرهم من كبار علماء الحديث الذين نقوا السنة وغربلوها وأوصلوا لنا الأخبار
الصحيحة الثابتة عن رسول الله
r
فتلك خدمة
منقطعة النظير من هؤلاء إلى يوم القيامة فإذن نحن حينما نقول قال الله
Y
مطمئنون إلى سلامة النقل المتواتر الذي ينقله جماعة عن جماعة وإذا قلنا قال رسول
الله
r
أيضاً نكون مطمئنين إلى أننا نعطي السامع معلومات وثقافات
وأفكاراً يبني عليها حياته فلا نوقعه في الغلط ولا في الإشكالات
وجزى الله
أخانا الدكتور عماد الدين رشيد الذي سعدت به سعادة غامرة لأن ما سمعتموه تميز في
أمور ثلاثة، الأمر الأول البراعة في نقل هذا العلم الذي لا يعرفه إلا المختصون إلى
هذه الثقافة العامة والأمر الثاني الذي برع فيه هو هذا العرض الشيق والجذاب الذي
استمتعنا بإدراكه وفهمه على كل المستويات، والأمر الثالث وهو التجديد الذي أفرزه في
محاضرته وهو أن يستفاد من علوم الحديث وتوثيق الأخبار والروايات في نشر الثقافة
الشعبية الإسلامية والعالمية والإنسانية فانا سعيد كل السعادة أن هذه الكلية ولله
الحمد كلية الشريعة في دمشق، وستفتح كلية أخرى نظيرة لها في حلب إنشاء الله بدء
العام القادم نحن الذين تقدمناهم مطمئنون على سلامة منهج هذه الكلية من أمثال أخينا
الدكتور عماد الدين الرشيد فسعدت سعادة غامرة أن الخلفاء وحينما تجد ابنك أحسن منك
أو تلميذك أحسن منك المعلم لا يريد أن يكون أحد في الدنيا أحسن منه إلا اثنين هما
ابنه وتلميذه فنحن مغتبطون ومقدرون لهذا الرديف والخلفاء الذين خلفونا في هذه
الكلية.
لذلك نشكر
الدكتور عماد الدين الرشيد على محاضرته التي أثرى فيها مجال المعرفة وأثرى فيها
العلوم الإنسانية من الطرق الموثقة في العلوم الإسلامية كما أنه استطاع أن يثري
الفكر بثقافته وإبداعه وفكره فجزاه الله خير الجزاء ونشكره شكراً عميقاً ونقدر
خطواته وإخلاصه في عرض هذا الموضوع الدقيق والذي ليس هو بالأمر السهل وأختم كلامي
بما قاله الإمام الشافعي
t
لتــــــــعرفوا مدى أهمية نقل الخبر.. يقول بيتين من الشعر:
همُ أيقظوا رقط
الأفاعي ونبهوا عقارب سوء نام عنها حواتها
تعرفون الحية
الرقطاء أخطر أنواع الحية السامة وهذا الحاوي الذي يسيطر دائماً على الحية ويمكن
يخرجها من جحرها ويتخلص منها كما كان الله يرحمه أحد الشيوخ،حية كبيرة حيرت القصر
الجمهوري أبو طوق، استطاع يستل الحية الكبيرة التي أرهبت السياسيين والمرحوم شكري
القوتلي وغيره واستطاع يمسكها كما يمسك العصفور فهؤلاء حواتها
همُ أيقظوا رقط
الأفاعي ونبهوا عقارب سوء نام عنها حواتها
همُ نقلوا عني
الذي لم أفــــه به ومــــا آفة الأخبار إلا رواتـها
الاستشهاد
بالشطر الثاني من البيت الثاني دائماً الأخبار ونحن نعيش الآن تلفيقاً في الأخبار
والناس في حيرة واضطراب وقلق لا يعرف الخبر الصحيح من الخبر الكاذب من الخبر
الموضوع من الخبر الملفق فلذلك نحن هذه المحاضرة وأمثالها تجدد فينا روح الإسلام
وتعمق فينا حماستنا وإخلاصنا لهذا الدين وتدفعنا إلى ألا نموت إنشاء الله إلا على
العهد الذي سار عليه علماؤنا وأئمتنا فنحن تلامذة لهم ونحن نردد ما قالوا فرحم الله
الجميع وجزى الأحياء عنا خير الجزاء وبارك في أخينا الدكتور عماد وفي إخوانه الذين
اخترناهم في كلية الشريعة من المتفوقين والنابغين والذين هم أمناء على عقول الأمة
وثقافتها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسئلة وردود:
السؤال الأول:
هناك من يقول أنه لا يوجد أحاديث ضعيفة ويقول لك بل أنت ضعيف الإيمان فماذا ترد
عليه..؟
قبل الإجابة
في الواقع ما أريد أن أتجاوز كلام أستاذنا بارك الله به لقضية مهمة جداً وهي تتعلق
بكلية الشريعة فأنا أتكل من قلبي إن شاء الله تعالى على هذا الصرح العظيم الذي اسمه
كلية الشريعة أسس على التقوى من أول يوم ولا يزال هو مصدر استقرار لهذا الوطن وهو
مصدر لحمة وطنية لهذا الوطن وهذا الخط الذي أسسه أساتذتنا السابقون رحم الله من
انتقل إلى رحمة الله عز وجل وحفظ الله سبحانه وتعالى الأساتذة وأمد في أعمالهم وإن
كانوا قد غادرونا من الكلية فحقيقة عندما ندخل إلى الكلية نتكلم من كل ما في قلبي
وكنت في مناقشة مع أستاذنا الدكتور سعيد منذ فترة أقل من شهر فتأملت، فبكيت في
المناقشة حقيقة بيني وبين نفسي بكيت أن الدكتور سعيد يناقش حوله أربعة كلنا وأكبر
واحد فينا بينه وبين الدكتور سعيد سبعاً وعشرين عام هل نحن من جلسائه..؟
هل نحن على
مستوى عمره في الواقع ..!؟ لا. ففي الواقع نحن نحس بيتم بغياب أستاذنا الدكتور
وهبة، شقيقه الدكتور محمد ، أستاذنا الدكتور سعيد،أستاذنا الدكتور نور الدين عتر
،أستاذنا الدكتور ابراهيم سلقيني، هؤلاء في الواقع غادرونا ولكن لمساتهم موجودة
وقلوبهم هي التي تلحظ بإذن الله سبحانه وتعالى والخط الذي رسموه سيبقى، لا
بأشباحنا، قد لا نقول لا نستحق وأعلنت ذلك وأعلن أن كل ما يوجد الآن في الكلية
والله لسنا أكفاء، أحلف بالله أننا لسنا أكفاء، وإنما حفظ الله لهذه الكلية وبركة
هؤلاء المجاهدين الذين صبروا في هذه العقود المتواصلة في إرساء الخط الصحيح والسليم
في الكلية في الواقع هذا هو سبب الاستقرار..
وقديماً قال
قائل:
فمن قلة صار
الحمار مطيتي.. يعني من القلة أصبحنا موجودين في الكلية أما هو مكان عظماء غيرنا
في الواقع نحن
إخواننا الكرام نحن نعذر من يقول مثل هذا الكلام لجهله في قواعد القبول والرد علم
مصطلح الحديث علم له قواعد كما بينت، أظن لاحت الفكرة لكم أنه علم مقعد علم مؤصل
علم منظم وليس مجرد أحكام اعتباطية، فلا بد من وجود الأحاديث الضعيفة ويعنون
بالأحاديث الضعيفة التي رواتها فيهم إشكال.. أما الحديث الذي ينسب حقيقة إلى رسول
الله
r
فلا يكون ضعيفاً طالما نسب إلى رسول الله
r
كيف يكون حديثاً ضعيفاً! وإنما المشكلة في السند فقط وفي
الناقلة، فإذا كان النقلة ضعفاء كان الحديث ضعيفاً ولا يحتج به إلا في مجال محدود
وهو فضائل الأعمال ما لم يكن شديد الضعف.
السؤال الثاني:
عن سيدنا أبو هريرة أنه قال تعلمت من رسول الله جرابين من العلم جراب تكلمت به
وجراب لو تكلمت به لقطعوا رأسي، هل لهذا الحديث تفسير..؟
الحديث هو ثابت
وإنما كان كما ذكر المحدثون في تفسير هذا ما يتعلق بأحداث الساعة وما يتعلق بالغيب
الذي تحدث به رسول الله
r
من الأحداث التي جرت في زمانه لذلك أبو هريرة
t
ماذا قال: أعوذ بالله من إمارة البنين ومن الستين. فكان النبي
r
ذكر لأصحابه بعض ما يحدث من أعلام الساعة فكان منها أن يتأمر
كما ورد في ذلك العصر ويعني يزيداً وهو يعني يزيد وولده معاوية الثاني وبالفعل توفي
رحمه الله سنة ثمان وخمسين، فيحمل كلام أبي هريرةt
على
مثل هذا،إلا أنه قد قال كل ما لديه في مناسبات أخرى ولم يخف شيئاً عن رسول الله
r
من
أعلام الساعة وقد تميز بأحاديث أعلام الساعة أبو هريرة
t
وسيدنا حذيفة بن اليمان
t
تميزا بذكر أحاديث الساعة،فما أخفى بالاستقراء،ما أخفى أبو
هريرة شيئاً،وإنما ذكر ذلك من باب الظرف والزمان الذي هو فيه وما يقتضيه من الحكمة
ولكنه ما أخفى عن رسول الله
r
شيئاً.
السؤال الثالث:جزاك
الله خيراً سيدي وزادك فهماً وعلماً وهمة،حبذا لو بندت لنا بنوداً عملية كدليل في
وريقات لتطبيق فكرتكم الرائعة على مستوى خطباء منابرنا وتوضع لدى قيمي هذه المدرسة
وتعمم من قبلهم أرجوكم.
جزاكم الله
خيراً وبارك الله فيكم، الفكرة بسيطة جداً إخواننا في كلية الشريعة نقوم بها الآن
عندنا في دبلوم الحديث، دبلوم الحديث من العام الماضي نلزم طلبة اختصاص الحديث في
حلقات البحث أن يضع لنا كل طالب عشرة قواعد على طريقة قواعد الفقهاء وضمن المنهج
الفقهي نفسه وهو مشروع قائم من العام الماضي إلى الآن في هذا الأمر وثمراته ينبغي
أن تنشر لإخواننا في المؤسسة هاهنا ولكل المؤسسات التربوية والتعليمية إن شاء الله
تعالى.
الدكتور عماد الدين رشيد
أعيد السؤال: هناك من يقول أنه لا يوجد أحاديث ضعيفة ويقول لك بل أنت ضعيف
الإيمان فماذا ترد عليه..؟