سيرة مؤسسها
حياته
الشيخ عبد القادر القصاب رحمه
الله تعالى أبو المعالي ولد في ديرعطية 1264 يوافقه ميلادياً 1847 رحل إلى
دمشق
وتتلمذ على يد شيخها الشيخ عبد
القادر بن صالح الخطيب رحمه الله تعالى في مدرسة
الخياطين ولمدة سنتين رحل
إلى مصر لطلب العلم في الأزهر الشريف عام 1288ه يوافقه
1871م. مكث في الأزهر سبعة
وعشرين عاماً متعلماً ومعلماً وأستاذاً عاد إلى بلدته
عام 1315هـ يوافقه 1897م أسس
مدرسة العلوم الشرعية والجمعية الخيرية الدينية عام
1316هـ يوافقه 1898 انتقل
إلى رحمته تعالى في ديرعطية ودفن به عام 1360هـ يوافقه
1941م
االقرن، هو التاسع عشر، و البلاد،
بلاد الشام، و العثمانيون ما
برحوا في الحكم يفعلون ما
يفعلون, يدهم الثقيلة على العنق, و ظلهم الطويل يكاد يحجب النور, و الناس جل
الناس سادرون لاهون , طرفت عينهم الدنيا و سادت مسامعهم الشهوات
, و اختاروا الفانية
الباقية. و الجذوة المقدسة – تلك الشعلة التي شبت في مكة و
البطاح و حملها العرب حين اشتدت نارهم , و فاض نورها على الشام و غيرها من
البلاد ,
فاهتدى بسناها الحائرون – يبدو أنها
الآن ترزح تحت الرماد الكثيف , كل شيء ينم عن
الدعة , و كل مظهر يشي بالخمول . فحلقات العلم باتت خلاء , إن هي إلا كلمات
تقال
بعيد الصلاة , و صلاة الجمعة على
الأغلب لا تقدم ولا تؤخر ولعل قائلها ضل سامعها
. و المدارس النظامية التي
ملأت الدنيا و شغلت الناس حين كانت البلاد الإسلامية في
عهودها الذهبية , أضحت اليوم أثراً بعد عين , وحديثاً يروى , و مآثر تذكر ,
و رحمات
على هاتيك الأيام. و اتصلت ليالي
الجهل و أرخت ذوائبها على مشرق العالم الإسلامي و
مغربه , لا أكاد أستثني من ذلك إلا منائر صغيرة , و نجوماً قليلة العدد ,
بقيت رغم
كل الأعاصير , تدفع الظلمة المطبقة
ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً , و بقي فيها رجال
قلائل , يتناوبون حمل الشعلة الخالدة على مسير الدهر و خطا الزمان , هذه
الينابيع
الصغيرة تناثرت هنا و هناك , تكبر و
تصغر , تشع و تذبل , بحسب ما يقضي الله لها من
يقوم بأمرها و يحسن الإشراف
عليها . و أهمها بلا شك معين عذب لم يتطرق إليه النضوب,
و لم يلم به الشح, قد أوكل الله إليه من يحفظه على تتالي السنين و تقلبات
الرياح,
ذلك هو الأزهر الشريف في كنانة الله
مصر. أما بقية المدن و مدن الشام خاصة , فكان
لها حظ من ذلك يتبدل كل حين . فإذا وصلنا إلى القرى وجدناها بمعزل عن ذلك ,
لا تكاد
تستفيق من جهالتها , أو لا تريد أن
تفيق. في هذا القرن , و في هذه الأحوال ولد
الشيخ عبد القادر القصاب في
قرية من قرى القلمون , هي ديرعطية , و كانت ولادته سنة
1264هـ. أما والده فكان
الشيخ محمد ابن الحاج حسين القصاب , كان عالماً فقيهاً,
ورعاً, زاهداً يحفظ القرآن
عن ظهر قلبه, حتى أفضى به إلى الكشف الصادق , وقد كان
شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه و سلم لا يملك عينيه عن البكاء , إذا
ذكره, أو
ذكر عنده. و أما والدته فهي السيدة
فاطمة بنت الشيخ محمد بن مصطفى القاني , كانت من
الصالحات القانتات و حظها من قيام الليل الكبير , طويلة الباع بالعطاء ,
طيبة النفس
بالسخاء , تقريء الأولاد الفقراء
بلا عوض, و ربما و استهم من مالها
كانت فقيهة سالكة للطريقة القادرية,
أخذت الفقه عن بلدينا بحر العلوم و الولاية
الشيخ سعيد الخطيب, و
الطريقة عن صاحب الكشوفات الصادقة و الكرامات المتواترة الشيخ وهبة أبي العظام
صاحب القسطل. و يدرج إلى الصبا, و قد آن له أن يأخذ بأسباب العلم,
إن يتأدب بآداب الدين ,
فتكون أمه, تلك المرأة الصالحة معلمه و مربيه, حتى حفظ
القرآن نظراً عليها, وشدا من
يسير الفنون بطرف, وأخذ يشتد ساعده رويداً رويداً و لكن: لعلها حكمة
كمنت براعمها فما تضيء عن عمدٍ دياجيــها و يستيقظ من نوم مضطرب
ذات يوم, فإذا بأصوات و دموع
و نشيج. فيهب مذعوراً, و يهرع إلى السرير يلتمس أمه,
عله يجد في جوارها الأمن و يلقى عندها الطمأنينة, و لكن يرد عن ذلك و ينحى,
و يدرك
بعد لأي أن الله اختار أمته الصالحة
إلى جواره ((و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى
الله و رسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم)) أكان في الثامنة من عمره
حينها؟
اعتقد ذلك . و لقد أثرَّ في نفسه
فقد أمه و معلمه في هذه السن المبكرة فكانت لوعة
طالما وجدها و مرارة شدّ ما
ذاقها و ألماً كثيراً ما كابده, و لكنها(( سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة
الله تبديلاً)). و يسعى به العمر إلى الشباب فيشارك أترابه لهوهم
و لعبهم , مقبلاً أول العهد,
فرحاً حين يقدم فهو شاعرهم في المناسبات كلما أزفت, و هو أديبهم في
الندوات كلما انعقدت, و هو في كل ذلك متقدم أقرانه , تحفه الشهرة في
بلدته, و تتسع حتى تبلغ
منطقته, و يباري أو يباريه شعراء غيره ما أكثرهم في القلمون, و يكتب له
التفوق عليهم في أغلب الأحيان. ثم لا يلبث أن ينكر من نفسه
االعب, و من قلبه اللهو, و
يحس الوحشة في أعماقه, و الكآبة في نواحي صدره وتضيق عليه الحال و يشتد
عليه الكرب فيمسك عن أصحابه, ثم يجد نفسه غريباً كل الغرابة,
حائرا أشد الحيرة,فتكمد في
محياه البشاشة وتسرع إلى عينه العبرة, ويركن إلى العزلة
في بستان لوالده...وفي البستان تغير حاله وإختلف شأنه ,وبدأ يرىفي القديم
رؤى جديدة ,أحسن
الأمر فأعتراه، أما كيف انجابت العاصفة عن السكون العميق وكيف انحسر الضباب
ووفد الشعاع وكيف هدأت الأمواج وسارت السفن.. كيف كان كل ذلك وكيف آلى على
نفسه
السير في الطريق لا وانيا ولاتعبا
مهما اعترضت وجهه العقبات وحالت دونه المفاوز
وتشعبت أمامه المسالك ،فأمر لاندركه ولا نبلغ غواره ،إلا كما قال حجة
الإسلام أبو
حامد الغزالي رضي الله عنه
بعد أن تاهت به الصحارى وتاه (( الإيمان نور يقذفه الله
في القلب )). وإن هو إلا الذي عناه ابن عطاء الله رضي الله عنه تعالى بقوله
((الوارد يأتي من حضرة
القهار لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه بل نقذف بالحق على
الباطل فيدمغه ، فإذا هو
زاهق)) أو كما حدث الشيخ بعد أن تقدم به سيل العمر ((سيل عرم العناية ساق ما
في الخليج القلب من الأوهام والجهل والغواية )). وتكون القصيدة
البردة الجميلة التي رفعها
((الأبوصيري))إلى مقام سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم ،أول مايقع في يده
خلال عزلته تلك ،فتأسره طلاوة الكلمات وتجذبه حلاوة المعاني
وتمسكه تلك العاطفة ويشده
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوارد فيوري شوقه
ويرهف حنينه ويبدأ الطريق .لقد تركت أيام العزلة هذه في حياته شأنا أي شأن
وأثرت في
كيانه أبعد الأثر ،وصاغته صوغا
جديدا طبع وجوده بطابع ما عاش،وغادرت واقدامه راكبة
متن الطريق،طريق الرحلة إلى الله تعالى ... أتيت إليك أسعى في طريقــــي
على قدمٍ
تعثر بالطريـــق وقد ملئت قداحي
بالمعاصـــي وبلت من مدامعها عروقــي إلهي جئت نحوك
في حيـــــاء وليس لمهجتي أمل الغريــــق فعلني بطلك ياإلهــــي فقد أضنيت
من لذع
الحـروق أول الطريق و يمر الزمان
مرًّ السحاب لا ريث ولا عجل, و الناس قلب بين يديه, ويطلع الصباح في أحد الأيام على
نفر من الشباب
البلدة, ارادوا دمشق لعل
فيها ما يعين على إقامة الأولاد و التبلغ من العيش بشيء, و
تشد الرغبة في نفسه و يأتي أباه – الرجل الوقور- على حياء يقبل يده و يسأله
الإذن
في المسير, أكان قصده العمل؟ أكان
قصده السياحة؟ أم كان قصده ما أراد الله تعالى
له؟ الله تعالى يعلم أنه أراد. ويصمت الرجل الوقور, و يحرك رأسه في هدوء و
يتلو
قوله تعالى :((إن الذي فرض عليك
القرآن لرادك إلى معاد)). و يسير ميمماً وجهه شطر
دمشق, فيبلغها و يقضي الصيف مع أترابه, عملٌ في الطين و الكلس ما امتدت شمس
النهار
و عكوف على كتبه القليلة آنذاك أن
أجنه الليل , حتى يرحل الصيف, صيف ذلك العام و
يعود ذلك النفر إلى البلدة كل بما كسبت يداه, ولكنه لا يعود و الإلحاح من
رفاقه
يشتد و الأباء من جانبه يصر. ويمضي
برفقة أحد أبناء البلدة- رجل كبير عرف دمشق و
خبرها- إلى شيخ دمشق هاتيك
الأيام الشيخ عبد القادر بن صالح الخطيب رحمه الله تعالى و يجلس بين يديه و
يسأله أن يكون من تلامذته و يستفهم الشيخ الخطيب عن بلدته, فما
أن يذكرها له حتى يقول رحمه
الله تعالى (( ولكن أهل ديرعطية لا جلد لهم على العلم))
فيرد الرجل الرفيق, و لكن
هذا الشاب له وجد شديد في الطلب و حرص عليه, و عسى الله
أن ينفعه. فيقبل الشيخ
الخطيب تلميذه و يبتدىء شيخنا الشاب حياة جديدة. يضع ثيابه و كتبه القليلة في
الحجرة و تأخذه أقدامه في مدرسة الخياطين ثم يعود من جولته إلى
الحجرة فيجلس و الليل قد
ألقى و شاحه و لكن لا ينام و تمر نصب ناظريه أيامه في البلدة و أيامه في
دمشق, و يتطلع فيما حوله, و يتأمل قابل أيامه, و يرى أقدامه لأول
مرة تخطو به فوق الطريق. لقد
اخذ على نفسه حين كان في عزلته العهد أن يسير. ولكن كيف كان طريقه, كيف
اختطه, و كيف لمحه وراء ضباب الزمن. لقد آمن أن الطريق, طريق
الرحلة إلى الله تعالى علم
وعمل , أما طريق العلم فها هو في رحاب مدرسة الخياطين, و هاهي الدروس من غد
تتالي , و ها هو سيأخذ في الجد و التحصيل من غير ونى ولا تقصير
, أما طريق العمل فهو ((
الاخذ بالحقائق, و اليأس عما في أيدي الخلائق)).((هو الدخول
في خلق سني و الخروج من كل خلق دني)). وهو(( أن يكون مع الله بلا علاقة)).
و لا بد
من السير فيه, و التوجه إلى الله
تعالى غير مبال بدنيا, مهما عظم شأنها, و لا ملتفت
إلى عرض من أعراضها, مهما امتد أثره و بلغت مكانته. و يقطع تلك الليلة,
الليلة
الأولى في المدرسة بين أدعية و
أوراد, و قيام و تأمل, ينبلج الفجر أو يكاد , و يقف
الشيخ الخطيب ينادى: الصلاة الصلاة ((إن قرآن الفجر كان مشهوداً)) . ويغط
الطلبة في
نوم عميق إلا هو فسرعان ما يلبي
النداء, و يقف وراء الشيخ الخطيب معه صلاة الفجر,
وحين يلتفت الشيخ بعد أداء
المكتوبة لا يرى غيره, فيدركه السرور بتلميذه الجديد, و
يسأله أأنت الذي كنت تقرأ
الاوراد الليلة؟ فيجيب: أن نعم. و يزداد سرور الشيخ و يربط الله بينهما
برباط الألفة, و تتوشج صلة الطالب بشيخه, و يقفو أثره, و تتوالى
الدروس في المدرسة, و يتصل
حضوره و استظهاره إياها. و يحرص أن يحضر درس الشيخ الخطيب في جامع بني
أمية الكبير, درس التفسير كل يوم بعد الظهر, و يجد نفسه بعد
حين: كتابه بيده, و قلمه
بيده, و نفسه بيد الله تعالى إلهي هاأنا أمشـــــــــي إليكا فخذ بيدي
وأوصـــــــلها يديكا و يقطع في طريق العمل خطوات و خطوات, فيكتفي
من الطعام بأكلة واحدة في
اليوم و الليلة, يأتدم الزعتر أغلب أوقاته, و يجد فيه الكفاية و يستمر في
خطواته, زهد في الدنيا و رغبة عنها, حتى تصفو نفسه, و تشف روحه,
و يجد نفسه في كل هذا سعيداً
في عمله و لقد أعانه على الرحلة, وأشاع في نفسه
القوة,وفي إرادته الجلد, و
ثبت خطاه, قراءته المتصلة للإحياء, كتاب أبي حامد الغزالي الكبير,
حتى حفظ منه أبواباً كاملة. أما من اين كانت تستقيم حياته, على
الرغم من حاجته القليلة و
لوازمه المحدودة, فالله تعالى يعلم أنه عاش في ضنك ما عاش, و أنه كان لا
يجد من أهله شيئاً مهما قل, فأبوه قد كبرت سنه, و إخوته الكبار
قد أمسكوا عنه كل شيء, وبخلو
عليه بكل يسير, وعدوا طلب العلم مضيعة للوقت متلفة للمال. ولقد كلن
كريم النفس أبياً, ما سألهم يوماً مع حاجته, ولا طلب منهم شيئاً مع
ضيق ذات يده, بل كان يعمل في
الأسبوع يومين في الكلس والطين, فيأخذ أجره وينفق منه على نفسه طيلة
الأسبوع وهو في المدرسة. وكان الشيخ الخطيب رحمه الله تعالى يلمس
شغفه بالعلم, وإقباله على
الله تعالى, ويحس ضيق ذات يده, فكثيراً ما كان يدعوه إلى تناول الغداء معه
في البيت أو في المدرسة .وتمضي سنتان يأخذ فيهما من العلم حظه
,ويوالي الخطا,ويشتد حبه
للعلم, ويزداد إيثاره للرحلة ,إنما لله أمر هو بالغه ,يدخل
الحجرة يوماً على شيخه فيجده يمسح العبرات عن وجنتيه, فيألم أن يرى شيخه
باكياً:
سيدي ما يبكيك؟ فيرد الشيخ: يابني
لقد قرب الأجل , وانتهت المدة, وحان الرحيل
والزاد قليل, والشقة بعيدة,
فعسى يابني أن تدعو لي, وأن تقرأ لي الفاتحة حين يقضي الله أمراً كان
مفعولاً. وصدق الشيخ الخطيب, وصدق الله وعده, فما تمضي فترة يسيرة
حتى تدرك الشيخ العلة, ويسكن
الجسد, وتصعد الروح , ويفقد الطالب شيخه ,ويحس الفراغ لغيبته, والوحشة
لفراقه, ويرى نفسه وحيداً من جديد بعد أن اتصلت إقامته لديه مدة
سنتين. ولقد حفظ اليد لشيخه
,وبقيت تلك المحبة له في قلبه, فما جلس مرة الا ذكره فأثنى عليه, وما
صلى مرة أو تلا ورده إلا قرأ له الفاتحة. وما دعا إلا دعا له
إلى
مصر
ويصل
إلى مسمعه حديث الأزهر ,وتفد
إليه تلك الروايات عن العلم في رحابه ,والدين في جنباته, والطاعات
في محاريبه, فيترك كل ذلك في نفسه أثراً, ويترك في نفسه شوقاً,
ويترك في نفسه رغبة ,ومع
الزمن, يجد في ذاته أمنية, وفي حنايا قلبه لهفة, وتشتد تلك
الأمنية, وتزداد تلك اللهفة فإذا بهما حنين متصل, وأمل يحاول التحقيق ولكن,
أين
السفر: تكاليفه,وأين الإقامة في
مصر؟: مصاريفها,وهو لا يملك شروى نقير؟! فيحاول كبت
الرغبة وطمس اللهفة ولكن لا تريدان براحأً ,ويأخذ كما يأخذ العاشق الطرب
والسرور
بالسماع عنه , والحديث حوله, وأكثر
ما يكون ممن ألم به فزاره, أو أقام به فطال
مقامه. فإذا به يلتقي بقادم
هنا, وقادم هناك: كيف الأزهر سيدي؟ وكيف خلفته؟ وكيف يستقيم حال المرء
فيه؟ وتتوالى الأسئلة كلما وقف أمام أحدهم, إلى أن ورد واحد منهم,
أو منتسب إليهم, ومدع,
ويحدثنا الشيخ عن ذلك في الرحلة الأزهرية فيقول: ((أزمعت
الرحلة إلى مصر, فجعلت أسأل
عن حال الأزهر, فذهبت إليه, وسلمت عليه, وسألته عن حال الأزهر فقال: وماذا
تصنع فيه؟ قد جاء إليك الأزهر, انظر أي فن وأي مذهب تريد أقرأ
لك. فقلت له: أنا شافعي
المذهب, فأحب أن تسمع لي درساً ((بأبي شجاع)) المسمى
((بالغية))فقال لي :هات,
فقرأت حتى وصلت إلى باب الوضوء, فقرأت((وفرائض الوضوء ستة
أشياء... النية عند غسل
الوجه وغسل الوجه)).فقلت له: ذكر غسل الوجه مرتين أما تكفي إحداهما ؟فأطرق
رأسه ثم قال : أرني النسخة, فدعتها له, فجعل يتأمل فيها ويحرك رأسه
ثم قال: إحداهما زائدة ,وأخذ
القلم وضرب على إحداهما بمداد الحمرة. فلما وصلت إلى السنن قرأت((ومسح
جميع الرأس)),فقلت له ذكر مسح الرأس مرتين أما تكفي إحداهما؟ فقال
أرني النسخة فدفعتها إليه
فتأمل فيها وحرك رأسه ثم قال إحداهما زائدة, وأخذ القلم وضرب على إحداهما .
ثم ذهبت إلى المدرسة ونظرت في الشرح ,وتأملت العبارة, فوجدت
كلتا الكلمتين صحيحة,فلم
أرجع إليه .ثم ازداد الجد في الرحلة إلى مصر,فصحبت رجلاً من طلبة العلم,وهو
االذي رغّبني في الذهب إلى مصر, فكنت أقول له عند ترغيبه لي:أنا
رجل فقير, وبلغني أن مصر
غالية الأسعار لا ينتظم حالي فيها, فيقول لي: أهلي أغنياء تجار يجرون لي في
كل شهر ما يكفيني ويكفيك, وجعل يدعوني إلى بيته للعشاء
ويصل إلى مسمعه حديث الأزهر ,وتفد
إليه تلك الروايات عن العلم في
رحابه ,والدين في جنباته,
والطاعات في محاريبه, فيترك كل ذلك في نفسه أثراً, ويترك في نفسه شوقاً,
ويترك في نفسه رغبة ,ومع الزمن, يجد في ذاته أمنية, وفي حنايا قلبه
لهفة, وتشتد تلك الأمنية,
وتزداد تلك اللهفة فإذا بهما حنين متصل, وأمل يحاول التحقيق ولكن, أين
السفر: تكاليفه,وأين الإقامة في مصر؟: مصاريفها,وهو لا يملك شروى
نقير؟! فيحاول كبت الرغبة
وطمس اللهفة ولكن لا تريدان براحأً ,ويأخذ كما يأخذ العاشق الطرب
والسرور بالسماع عنه , والحديث حوله, وأكثر ما يكون ممن ألم به فزاره,
أو أقام به فطال مقامه. فإذا
به يلتقي بقادم هنا, وقادم هناك: كيف الأزهر سيدي؟
وكيف خلفته؟ وكيف يستقيم حال المرء فيه؟ وتتوالى الأسئلة كلما وقف أمام
أحدهم, إلى
أن ورد واحد منهم, أو منتسب إليهم,
ومدع, ويحدثنا الشيخ عن ذلك في الرحلة الأزهرية
فيقول: ((أزمعت الرحلة إلى مصر, فجعلت أسأل عن حال الأزهر, فذهبت إليه,
وسلمت عليه,
وسألته عن حال الأزهر فقال: وماذا
تصنع فيه؟ قد جاء إليك الأزهر, انظر أي فن وأي
مذهب تريد أقرأ لك. فقلت له: أنا شافعي المذهب, فأحب أن تسمع لي درساً
((بأبي
شجاع)) المسمى ((بالغية))فقال لي
:هات, فقرأت حتى وصلت إلى باب الوضوء,
فقرأت((وفرائض الوضوء ستة
أشياء... النية عند غسل الوجه وغسل الوجه)).فقلت له: ذكر
غسل الوجه مرتين أما تكفي إحداهما ؟فأطرق رأسه ثم قال : أرني النسخة,
فدعتها له,
فجعل يتأمل فيها ويحرك رأسه ثم قال:
إحداهما زائدة ,وأخذ القلم وضرب على إحداهما
بمداد الحمرة. فلما وصلت إلى السنن قرأت((ومسح جميع الرأس)),فقلت له ذكر
مسح الرأس
مرتين أما تكفي إحداهما؟ فقال أرني
النسخة فدفعتها إليه فتأمل فيها وحرك رأسه ثم
قال إحداهما زائدة, وأخذ
القلم وضرب على إحداهما . ثم ذهبت إلى المدرسة ونظرت في الشرح ,وتأملت
العبارة, فوجدت كلتا الكلمتين صحيحة,فلم أرجع إليه .ثم ازداد الجد في
الرحلة إلى مصر,فصحبت رجلاً
من طلبة العلم,وهو االذي رغّبني في الذهب إلى مصر, فكنت أقول له عند ترغيبه
لي:أنا رجل فقير, وبلغني أن مصر غالية الأسعار لا ينتظم حالي
فيها, فيقول لي: أهلي أغنياء
تجار يجرون لي في كل شهر ما يكفيني ويكفيك, وجعل
يدعوني إلى بيته للعشاء
وإذا لم أذهب يأتيني بالعشاء
والغداء. فجائي يوماً فقال: إني ذهبت إلى
الخان, فوجدت مكارية يدبرون
السفر إلى بيروت, فاستأجرت معهم وضربوا لي يوماً معلوماً لميعاد
السفر, فأجبته لذلك, فلما جاء الميعاد , قال لي :استعدّ للسفر يوم
الخميس, فقلت له:قالوا
للغزالة استعدي للرحيل فشالت ذيلها, وفي الميعاد ذهبنا إلى الخان الذي فيه
المكارية, فوضع أمتعته في الخارج, ووضعت بدلة ثيابي في ((بقجة)) مع
أمتعته في الخرج , فركب و
مشى و أنا أمشي خلفه , فكنت أقول لنفسي: عله ينزل عن دابته و يركبني ,
فلم ينزل حتى وصلنا بيروت . و كان إذا حصره البول يبول و هو راكب.
و نزلنا في مقهى, فقال لي
امكث هنا حتى أذهب اسأل عن الرمكب متى يسير إلى
الاسكندرية . فذهب ثم رجع ,
وقال : في الغد يسير المركب. فلما جاء الميعاد ركبنا في المركب , و كانت
الاجرة إذ ذاك ليرة فرنساوية , و لطالب العلم نصفها. و لم يكن معي
إلا نصف ليرة وفرتها من أجرة
العمل في الشام . فركبنا في المركب و دفعت النصف و لم يبقى معي شيء اشتري
به زاداّ , فلطف الله بي و رحمني إذ أخذ علي دوار البحر
فاعترتني صفرة شديدة فأكببت
في المركب ثلاثة أيام حتى طالعنا إلى ثغر الاسكندرية و نزلنا هناك في مقهى
يقال له مقهى عصفور. فقال لي صاحبي: اجلس عند الأمتعة حتى أذهب
أسأل عن ((البابور)) متى
يسير إلى مصر فذهب ثم فقال لي: ((البابور)) يسير إلى مصر بعد العصر و أنت
((دبر حالك)),أنا لا أدفع لك أجرة , و لا أنفق عليك , فقلت له
غششتني و تركتني و قطعت بي
الحبل و أنا لا أعرف أحداً في هذه البلاد ؟! فلم يجب, و أخرج ثيابي من
الخرج و ألقاها و ذهب, فبقيت متحيراً كيف أصنع, فذهبت إلى السوق و
عرضت ثيابي الزائدة للبيع
فبعتها و قلت للرجل: أتكفي هذه الدراهم أجرة إلى مصر؟ فقال تكفي بلا
زيادة و لا نقص فقلت : الحمد لله, ذلك ما كنا نبغيه. و سألت عن
المحطة التي تقطع فيها
التذاكر, فأرشدت إليها, و دفعت ما معي ثمن تذكرة , و ركبت و لم أرى صاحبي و كل
ذلك و أنا بلا طعام , و لما وصلنا إلى محطة و بينها و بين الأزهر
ساعة , استأجر صاحبي حماراً
يركبه فقلت: أمشي معه , فمشيت حتى وصلنا الأزهر, و كانت الساعة قد بلغت
الثالثة ليلاً. فلما دخلنا سمعت دوياً كدوي النحل في المطالعة,
فانشرح لذلك صدري و حمت الله
و شكرته و قلت في نفسي: لا أخرج من الازهر و لو تخللت
بالعباءة, و كان صاحبي يعرف
اصطلاح الرواق, فسبقني و دخل فيه, و يترتب على سبق الدخول, الحجرة و
الجراية, و كان يصعد إليه بدرج , فانتهيت إلى صحنه, فإذا هو واسعٌ
جداً , و فيه نحو ثلاثين
حجرة, و جماعة من المجاورين جالسين في الصحن فجلست معهم انا و صاحبي , ثم
إن صاحبي ذهب إلى السوق يتعشى , و انا جالس مطرق الرأس ذليلاً من
شدة الجوع, فقام رجل من
الحاضرين و ذهب , ثم عاد و معه رغيفان و شيء من الأدم و قال لي : إني رأيت
صاحبك قام على السوق و أنت لم تقم, فتوسمت فيك الفقر, فأكلت و حمدت
الله تعالى و شكرته. و نمت
مع المجاورين في صحن الرواق بلا غطاء و لا وطاء
في
رحاب
الازهر
و
يبتدىء حياته في مصر , في رحاب الأزهر الشريف , في رواق الشام,
منقطعاً إلى العلم الانقطاع التام , لا عمل له إلا التعلم, و لا شاغل
له إلا حفظ المتون , و يمضي
سحابة نهاره منتقلاً من درس إلى درس, و من حلقة إلى حلقة , حتى إذا هبط
الليل أدى من الصلاة ما شاء الله تعالى أن يؤديه و تلا أوراده
, تلك التي حفظها عن والده ,
و تلك التي تلقاها عن شيخه في دمشق , و بين هذه و هذه
قراءة لدروس النهار , و استذكار لها, و حفظ ما يجب حفظه منها. و العلوم في
الأزهر
كما كانت هاتيك الأيام , هي علوم
المنقول و علوم المعقول : التوحيد- التفسير-
الحديث – الفقه – التصوف –
الفرائض – النحو – الصرف – البلاغة – العروض – المنطق
– الحساب, و ما إليها. و لا
أحسبني في حاجة إلى شرح النظام الأزهري هذا و طريقة سير
الدروس فيه. فكل ذلك معلوم و معروف. و لكن كيف كان بدء أمره في مصر؟ كيف
انتظم حاله
و سارت به أيامه؟ مع الجهد الذي هو
فيه, و البؤس الذي يشمله, نجد كل ذلك في كلمات
له وصف بها نفسه في مرحلته
هذه بعد أن تقدم به العمر آب إلى وطنه, و شرع تلامذته يستفهمون, و يلحون
في الاستفهام , قال الله تعالى: (( و كان حالي في بدء أمري على
أشد فقر و حاجة, أسوأ مما
كنت عليه في الشام , إذ هناك يمكنني العمل و الاكتساب و هنا لا , فكان أكثر
قوتي مما يلقيه المجاورون عند البحرة المعدة للوضوء , من ورق
الفجل و الكرات و قشر البطيخ
, و مما يتساقط من فتات الخبز اليابس عند وضعهم له في الخزانة المسماة
بعرفنا ((بالخراستين)) و ذلك أن جراية الأزهر كانت مخصوصة
بالآفاقيين. و أهل الريف, أي
قرى مصر, كان يأتيهم الخبز و غيره من أهلهم. و كنت أفعل ذلك جنح
الظلام حتى لا يشعر بي أحد من الأنام و كنت أكتم حالي جداً , و أرى
إظهاره كفراً أو كالكفر , و
كنت أرقد بلا غطاء و لا و طاء
كما قال أبو الشمقمق:
كان الباعث الأكبر لي على الإقامة
في مصر حب آل البيت , وخصوصاً الحبيب الحسين
, كنت أزوره بكرةً و عشية, و
رأيت منه عنايةً كبرى , ومن عنايته بي : أني كنت جالساً
تجاه رأسه الشريف . فدخل رجل من الباب فجعل يخترق صفوف الناس حتى وصل إليه,
و أقبل
على يدي يقبلها, فقلت له : من أنت و
ما اسمك ؟ فقال: فلان. فقلت له: أتعرفني من
قبل؟ قال: لا, ما عرفتك إلا مناماً . فقلت له: كيف كان منامك؟ فقال:كنت
جنية جناية
توجب القتل, فتواريت فجعلت أستنجد
برسول الله و آل بيته, و أكثر استغاثي بالسيد
الحسين سيد شباب أهل الجنة,
فرأيت أني في حفرة عميقة و أنا في غاية الكرب, فرفعت رأسي, فإذا بسيدنا
الحسين جالس على شفير الحفرة, و أنت على يمينه, فالتفت إليك و
قال: يا شيخ عبد القادر
إمداد يدك و أخرجه من هذه الحفرة, فمددت يدك فجذبتني, و لما استيقظت و طلع
النهار جاءتني البشرى بالعفو. و من عنايته بي أني كنت إذا جلست عنده
أجد أنساً كبيراً, و ينشرح
صدري كأني في روضة من رياض الجنة, و كأني أنظر إلى الكعبة. و كنت من
عصر الخميس أبدأ بزيارته, ثم أطوف على من في مصر من اهل البيت:
السيدة زينب, السيدة رقية,
السيدة فاطمة بنت الحبيب الحسين, السيدة سكينة, السيدة
نفيسة بنت الحسن الأنور. و قد وجدت منها عناية كبيرة, ذلك أني رأيت في
المنام أني
ذاهب لزيارتها على عادتي فبينما أنا
ماش في الطريق و إذا برجل مقبل, و على ظهره عدل
مملوء, فلما وصل إلي ألقى العدل عن ظهره و أفرغه بين يدي, فإذا هو خبز مجفف
أبيض
نقي, فقلت له: ما هذا؟ فقال: مدد
السيدة نفيسة كريمة الدارين.
لا
أستطيع الإقامة
في الرواق. و كان جماعة يقرؤون علي درساً, فلما جاؤوا اعتذرت لهم وصرفتهم,
و نزلت
من الرواق- و هو يصعد إليه بدرج- و
كنت أرى في سقف الأزهر دخاناً حسياً, فخرجت و في
عزمي أن لا أعود حتى ينتهي أمر المريض, فذهبت إلى الوكالة التي فيها صاحبي
ابراهيم
وفا, ومكثت فيها فجائني الخبر بعد
الظهر بما وقع, أن العسكر الذين مع المعاون قبضوا
على كل من كان في الأزهر من المجاورين و أهل السوق, و أهل الريف, و أخذوهم
مكبلين
بالحديد إلى المحافظة. و عندها
غربلوهم , فمن شهد عليه أنه غير شامي أطلقوه, ومن
شهد عليه أنه شامي و لم يكن
له دخل في الفتنة حكموا عليه بنفيه إلى بلاده , و من شهد عليه أنه شامي
و له دخل في الفتنة حكموا عليه بالسجن سنين, و أمروا بإقفال
الرواق سنة.
شيوخه-إجازاته
و
قبل أن نخلف مصر وراءنا و
نتتبع الشيخ في بلده, يجدر بنا أن نذكر شيوخه و أساتذته, من تعلم على
أيديهم , و
أقام بين أظهرهم, و ستكون العبارات
هنا في وصف هؤلاء الشيوخ هي عبارات الشيخ رحمه
الله تعالى : (( أخذت أتلقى
العلوم معقولها و منقولها عن العلماء الأعلام, أولهم الشيخ ابراهيم
الظرو الخليلي, تلقيت عنه شرح المنهج ثم شيخنا شمس الدين الشيخ محمد
الأنبابي و كان شيخ الأزهر
إذ ذاك, صاحب التقارير الرائقة, و التدقيقات الفائقة,
على ما كان يقرأ في الأزهر من معقول و منقول, و آخر ما كان يقرأ فيه جمع
الجوامع,
ما كان تحت الأديم السماء أفصح منه تقريراً للعبارة , لازمته نحواً من
عشرين سنة .
ثم شيخنا و أستاذنا شمس الدين أبو
عبد الله الشيخ محمد الأشموني نسبة إلى أشمون
بلدة من بلاد مصر, صاح
الكشوفات الصادقة , و الكرامات التي هي بصدق و لايته ناطقة,
كان طلق اللسان, جريء الجنان, لا يبالي بوزير و لا سلطان يقرأ درساً واحداً
في مذهب
الإمام الشافعي قبل الظهر و له أكلة
واحدة في اليم و الليلة, يأتي الأزهر في كل يوم بعد العصر و يجلس
فيه إلى أن يصلي العشاء الآخرة. رأى بعض الصالحين الإمام الشافعي
في المنام يقول له: قل للشيخ
محمد الأشموني يستمر على عادته في الجلوس بالأزهر إلى العشاء, و نحن
وليناه القبطانيةكتب لى اجازة أملاها علي, فكتبتها بخطي , وهو الذي
اختار لي السفر مع أخي الحاج
احمد, وقال: (( ذهابك مع أخيك خير لك , فإن الأزهر تساقط زهره و قصم
ظهره و لا يرجى منه خير بعد اليوم. بلادك خير لك و الأزهر لم يبق
للعلم أهلا, و أهله لا
يزدادون إلا جهلا)). و كان إذا تطور يعظم جسمه مع كونه نحيف الجسم , رأيته مرة
و أنا في مسجد سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه محمولاً بين
رجلين و هو متطور قد سد
الباب لعظمه, و هو يلهج بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم شيخنا القطب الكبير و العلم الشهير بحر العلوم الغزير أبو عبد الله سيدي
محمحد
عليش, كان مالكي المذهب , مغربي
الأصل , ولد في مصر , قارب سنة التسعين و هو يمص
قصب المص , و يكسر الجوز بأسنانه, ولم يختل عضو من أعضائه لحفظه لها في
الصغر
فحفظها الله تعالى له في الكبر, كما
حكي مثل ذلك عن أبي شجاع من أئمة مذهبنا قرأت
عليه بعض كتب الحديث , كصحيح البخاري, و الأذكار النووية, و بعض كتب
التوحيد
كالسنوسية , و بعض كتب المعقول
كالسمرقندية في الاستعارات, و شرحه على إيساغوجي في
المنطق. و قرأت عليه إحياء
علوم الدين لحجة الإسلام الغزالي كله, و ظهر لي منه كرامة عظيمة أثناء
قراءته , و ذلك أنه كان يقرأ في جامع سيدنا الحسين رضي الله
تعالى عنه بعد صلاة الصبح
إلى أن ترتفع الشمس كرمح. فسولت لي نفسي أن اشتغالك بغيره في هذه المدة أولى
, فأجبتها لذلك و اشتغلت بحفظ متن المنهج, وكان يصلي الأوقات
كلها في الأزهر إلا الصبح
وكان يدخل الأزهر للصلاة قبل دخول الوقت, ولا يجلس إلابعد أن يصلي ركعتي
التحية , ثم إذا فرغ من صلاته نظر أين أنا جالس فيسلم ويجلس إلي فجاء
مرة و أنا أنتظر الصلاة ,
فصلى التحية على عادته, و سلم علي ثم قال: يا سيدنا الشيخ فقلت : نعم يا سيدي
فقال: الإحياء حقه أن يكتب في الألواح و يحفظ , فقلت له وهو
كذلك , و رجعت للقراءة عليه
حتى أتم الاحياء و لله الحمد, و قلت لنفسي كيف تقولين لا يشعر الشيخ بذلك
, و كان توهم النفس ذلك من عدم رفعه رأسه حال القراءة, فلا
يجاوز بصره النسخة, وكان
خفيض الصوت, ومع ذلك يسمعه البعيد كما يسمعه القريب. وكان رضي الله تعالى عنه
آخذاً بعنان العزائم , غيوراً على الدين, و الشريعة الغراء
, يأمر بالمعروف و ينهى عن
المنكر , لا تأخذه بالله لومة لائم, كريم الطبع, شريف
النفس, رفيع الهمة عن سفاسف الأمور, و حضور الولائم, يؤلف بين القلوب , و
يخلو
بالله وحده , مستغرق الأوقات
بالعلوم و سائر الطاعات , حتى في الأشهر الثلاثة التي
اعتاد العلماء ترك القراءة فيها, و هي رجب و تالياه, لا يترك القراءة إلا
في
العيدين و بعد العيد يومين: ما زال
يحملها على مكروههــــــــــــــا حتى ركت وصفت
صفـــــــــــاء العسجد قد رام غاية ما يروم المنتهـــــــــــــي من ربه,
و له
اجتهـــــــــــــــاد المبتدي و
منهم: الشيخ عبد الرحمن الشربيني نسبة إلى شربين
بلدة من بلاد مصر صاحب التقارير الرائقة و التحقيقات الفائقة على السعد, و
جمع
الجوامع , ومنهم الشيخ ابراهيم
السقا شيخ شيخنا الأنباني و غيره, أدركته مريضاً,
تلقيت عنه حديث الأولية و
رسالة الأوائل, و منهم الشيخ سالم البولاقي نسبة إلى
بولاق, قرأت عليه جمع
الجوامع , كان أعمى, و كنت أسمعه الدرس الذي يريد أن يقرأه في غد, يجلس لمطالعة
الدرس بعد الظهر إلى الساعة الثالثة ليلاً حتى يحفظ المتن و الشرح
و الحاشية و التقرير, كناية
عن خمس ورقات , ثم يليقه في الدرس على الطلبة حفظاً من غير أن يخل بحرف,
فكنت أتعجب من قوة حفظه و شدة استحضاره. ومنهم: الشيخ أحمد
الاجهوري, و كان أعمى, قرأت
عليه حاشية الجنل على الجلالين, كان يلقى الدرس بهمة قوية, و عزم شديد,
حتى يحسر عن ذراعه و يحل زناره, و يقلع عمامته, و يضرب الأرض
بيده كأنه في ساحة حرب, و له
تقرير على السنوسية و السمرقندية و غيرهما. ومنهم
: الشيخ أحمد الفيومي
الرفاعي من بلاد الصعيد, صاحب الـتآليف و التقارير الكثيرة, و
الشيخ عبد الفتاح نجا, و
الشيخ أبو النجا, و الشيخ سليمان العبد
و الشيخ محمد الخضري, و الشيخ سليم
البشري المالكي, و الشيخ حسن
الطويل, و الشيخ أحمد
الجيزاوي , و الشيخ محمد الجيزاوي , و الشيخ محمد البحيري, و منهم السيد شريف
خطير, و ولي لله تعالى كبير, كتب لي إجازة بجميع مروياته و بأوراد
الطريقة العلوية نسبة لابن
علوي السيد عبد الله)). إجازاته: و حين أذكر شيوخه أراني ملزماً بذكر
إجازاته, و كان لها من القيمة ما للشهادات من قيمة اليوم . و قد كان هو
في غنى عنها حين كان في
الأزهر, فمكانه معروف و شيوخه بجانبه و إجازاتهم اللفظية كافية, و يختلف
الأمر حين هم العودة إلى الشام. و يبدأ بالطواف على أشياخه محصلاً
منهم الإجازات التي هي
الأمان عند اجتيلز المفاوز, و لكن البعض من هؤلاء أدركهم الأجل وانتقلوا إلى
الدار الباقية, و من هؤلاء شيخ أحبه الشيخ القصاب و محضه ودّه
,
و أجلّه كل الإجلال, واستأثر من
عقله و قلبه بالمكان الأول. و لم لا؟ و شيخه هذا
ولد سيد قريش عليه أفضل الصلاة و السلام, و قد حوى من العلوم, و بلغ من
مكارم
الأخلاق و علو الهمة مبلغاً يرتد
البصر عنه و هو حسير, ذلك هو الشيخ محمد عليش رحمه
الله تعالى, و قد كان أجازه إجازة شفهية, و لكم أحب أن تكون له منه إجازة
خطية
يتبرك بها و يفتخر بحملها , و مع
هذا فقد أجازه ولدا الشيخ وسطه ونوّه كبيرهما
بفضله و أشار إلى إجازة أبيه
له, عليه رضوان الله تعالى , و نبه على مكانة الشيخ القصاب منه بقوله((
و الأستاذ الشيخ عبد القادر هو من أجلاء تلامذة والدي الأستاذ
الشيخ السيد محدم عليش, و
كان رضي الله تعالى عنه يجله و يظمه و يوقره و قد أجازه و الله المسؤول أن
يبلغنا إياه المأمول)). أما إجازاته المكتوبة فهي كما يلي
: 1-إجازة شيخ الأزهر في
وقته العلامة الشيخ شمس الدين محمد الأنباني , وهي إجازة
مكونة من عشر صفحات ,نوّه فيها بمكانة الشيخ. وذكر العديد من أشياخه كشيخ
الإسلام
الباجوري والعلامة الشيخ السقا
وغيرهما . 2- إجازة العلامة الشيخ محمد الأشموني
,وهي عبارة عن صفحة واحدة
بخط الشيخ القصاب وتوقيع الشيخ الأشموني و خاتمه. 3-
إجازة العلامة الشيخ عبد
الرحمن الشربيني, و قد تولى مشيخة الأزهر بعد رجوع الشيخ.
4- إجازة الشيخ أحمد الشريف
العدوي المالكي. 5- إجازة الشيخ أحمد الرفاعي المالكي.
6- إجازة الشيخ محمد محمد
عليش المالكي ابن الشيخ العلامة محمد عليش المالكي. 7-
إجازة الشيخ عبد الرحمن عليش المالكي ابن العلامة الشيخ محمد عليش المالكي.
8-
إجازة الشيخ عبد الرحمن عليش الحنفي
سبط العلامة الشيخ محمد عليش المالكي. 9- إجازة
جماعية بصيغة واحدة موقعة من مشايخ الأزهر و تاريخها عام 1314هـ و هم:
الشيخ علي
أحمد الإبريري الشامي الشافعي الشيخ
خطاب عمر الدروي الشافعي الشيخ حسن داوود
العلوي الشيخ اسماعيل
الحامدي المالكي الأزهري الشيخ حسن رجب السقا خطيب جامع الأزهر الشيخ محمد
أحمد حسني البولاقي الشافعي الشيخ أحمد فايد الزرقاني المالكي
الشيخ محمد موسى البجيرمي
الشافعي الشيخ موسى المرصفي الشافعي الشيخ عبد الوهاب الخضري الشافعي
الشيخ بكري محمد عاشور الحنفي الشيخ يحيى الخليلي الشافعي الشيخ عمر
الرافعي الشيخ السيد أحمد
الزيادي الأزهري هذه الإجازات كلها من مشايخه و أساتذته الأزهريين, و لكنه
بعد عودته و استقراره في بلدته استجاز عدداً من مشايخ الشام
الاعلام و اجازته منهم كما
يلي : 1- إجازة الشيخ محمد بن محمد بن عبد الله الخاني الخالدي النقشبندي
عام 1314م0 2- إجازة العلامة محدث الشام الشيخ محمد بدر الدين
الحسني0 3- إجازة العلامة
الشيخ السيد محمد بن جعفر الكتاني عام 1337 4- إجازة الشيخ بكري بن حامد
العطار الشافعي القادري. و هذه الاجازات موجودة بحالة سليمة
بخطوط مجيزها و تواقيعهم و
أختام الكثير منهم,و قد ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أن لديه إجازة من شيخ
شيوخه الشيخ ابراهيم السقا الذي أدركه افي أخريات حياته, و سمع
منه حديث الأولية و شيئاً
غيره , ولكني لم أظفر بها مع شدة بحثي عنها. وعلاوة على هذه الاجازات
العلمية فقد أجيز بعدد من الطرق الصوفية منها: 1-إجازة بالطريقة
السنوسية الأحمدية الادرسية
و مجيزها الشيخ السيد أحمد الشريف السنومي الخطابي الحسني الادريسي.
2-إجازة بالطريقة العلوية و مجيزها الشيخ أحمد بن حسن العطاس علوي
و هي في حقيقة الأمر اجازة
علمية و اجازة طريقة في آن واحد و تاريخها عام 1310هـ.
3-إجازة بالطريقة الشاذلية و
مجيزها الشيخ محمد بن عبد السلام بن عبود المصري
المكنامي الحسني و تاريخها
29 رجب 1311هـ. 4- إجازة بالطريقة الرفاعية و مجيزها الشيخ محمد أبو
الهدى الصيادي و تاريخها 10 ذو القعدة 1305هـ.
العودة
و يصل رحمه الله تعالى دمشق الشام
عام 1314هـ , و قد سبقته شهرته و
تقدمه صيته, و كيف لا و قد مكث قريباً من ثلاثين سنة كان في القسم
الأكبر منها عالماً مدرساً
في الأزهر, قبلة الطلاب , وكعبة العلماء, و ما اكثر الشاميين الذين
درسوا على يديه, و تعلموا في حلقته, ثم آبو إلى ديارهم, عامرة
بالإبمان قلوبهم, طافحة
بالعلم صدورهم, يتحدثون عن شيخهم فيطيلون الحديث, و يشيدون بذكره ما طابت لهم
الإشادة. يصل الشام ليلقى أعلامها قد خفوا لاستقبالها و على
رأسهم محدث الشام و بقية
السلف الصالح علامة عصره الشيخ محمد بدر الدين الحسني رحمه الله تعالى, و يرحب
به و يزيد في الترحاب طالباً منه أن يقيم في دمشق, ينفع الناس
, و يبث ما أودعه الله إياه,
مكملاً كلامه(( القرى لا تسع علمك)), و لكن غاية الشيخ
غير هذا, و ما لهذا آب , فيرد بأدب((و لكني رجعت لأنفع أهل بلدي)) و يتابع
طريقه
إلى ديرعطية بلده, بعد الفراق
المديد , و النأي المتصل, ليجد في استقباله أهلها,
كبيرهم وصغيرهم على حد سواء,
ولكنه يجد في استقباله شيئاً آخر, ندب له نفسه , و
أعدها من أجله, مذ غادرت
أقدامه أرض مصر, ذلك ما قدر الله تعالى له أن يعيش حياته من أجله, ألا وهو
إرسال النور في ظلمات بعضها فوق بعض, و هداية قلوب الكثيرين إلى
الله تعالى, و ما ذلك بالأمر
اليسير و لكن الله تعالى المستعان. المدرسة الحميدية:
و يبتديء دروسه في البلدة في المساجد العامة, و يأخذ في بث ما أفاضه الله
تعالى
عليه, زمناً يسيراً, و لكن هل تكفي
هذه الدروس؟ و هل تفي بالعلم و غايته, و هل هي
كل ما يستطاع عمله و تقديمه؟ لا, و ابتدأ يفكر في إنشاء مدرسة علمية دينية
تكون على
غرار الأزهر, يدرس فيها الطلبة طيلة
اليوم و شطراً من الليل , يقرر فيها ما يقرر
هناك من منقول و معقول, و
يقيم في غرفتها الطلبة الناؤون عن أهلهم, المغتربون في طلب العلم, كما
يفعل المجاورون في الأزهر الشريف. كيف كان الشروع في ذلك ؟ و كيف
سمت هذه المنارة ؟.حث الشيخ
رحمه الله تعالى الناس عليها و رغب بالعمل فيها, ولما كانت الدعوة صادرة
من القلب ميممة وجه باريء السموات, فقد وجدت الأفئدة الواعية, و
الأيدي الساعية في كل خير ,
و اجتمع الكثيرون فقدم البعض الأرض و قدم البعض المال
, و قدم آخرون العمل , كلٌ
ما استطاع, و ابتدأ تشييد المدرسة حتى بلغت ثلاثين غرفة
تقريباً. و في آثار الشيخ
رحمه الله تعالى أجد رسالة وردته من العالم المفضال, صاحب الأيادي البيضاء
محمد سعيد أياس رحمه الله تعالى, و هو من بيروت الشام, يذكر فيها
سماعه من بعض إخوانه بإنشاء
المدرسة , و يلتمس الطريقة التي يتمكن بها من إرسال ما لديه من مال لذلك ,
و قد فعل الرجل و قدم بالإضافة إلى المال كتباً ذات قيمة جعلها
للشيخ و طلبته, و إن ذكرت
هذا الرجل فلأدلل على أن إنشاء المدرسة قد ذاع صيته في البلاد , و رحب به
أهل العلم و الفضل من كل ناحية. و لم تكن المدرسة حلقة من حلقات
العلم كيفما اتفق, و لكنها
كانت مدرسة بكل ما في هذه الكلمة من معنى , حصلت على ترخيص و سماح من
السلطات العثمانية آنذاك, و كان الطلبة المنتظمون فيها معفين من
أداء الخدمة العسكرية
باعتبارهم طلاب علم. أما نظام التدريس و التعليم فقد كان النظام الأزهري
بعينه, المواد نفس المواد, و الكتب المقررة نفسها, و الدروس تستمر
طيلة اليوم في مختلف الفنون,
أما الفارق الوحيد بين هذه و ذاك فهو أنه في الأزهر يوجد شيوخ عديدون,
كلٌ يقريء في فن و مجال, درساً أو أكثر في اليوم, أما المدرسة
فالشيخ القصاب هو الشيخ
الوحيد, هو المقريء طيلة اليوم و هو المدرس و الشارح علاوة على دروسه في
المسجد بعد العصر, و دروس تعقد في البيوت , و قد كانت كانت عادته أن
يصلي الصبح ثم يقبل على
المدرسة فيبدأالدروس بكتاب الله فالحديث ثم ينتقل إلى غيرهما حتى ترتفع
الشمس, عندما يعود إلى المنزل يصيب قليلاً من طعام و راحة
ثم يعاود حتى الظهر عندما يرجع
للبيت و منه إلى المدرسة ثانية يمكث
فيها حتى أول الليل. وقد ظلّ هذا دأبه و تلك هي عادته خمسة و
أربعين عاماً, و في بعض
رسائله إلى إخوانه في مصر يذكر رحمه الله تعالى حال المدرسة فيقول : (( أحمد
الله الكريم على ما أنعم , و تفضل به على ما يليق بكرمه و تكرم
, من التوفيق لا قامتي
بالنفع العام ,بنشر العلم الشريف الشرعي في كل وقت و مكان عام
,و ذلك أنّه لمّا علم الناس
بقدومي من الأزهر , و أني بنيت مدرسة لطلب العلم , نفر إليها من كل قرية
طائفة ليتفقهوا في الدين , و ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم , حتى
ربا من فيها على سبعين
طالباً فأكثر .يمر المار ببابها فلا يشك أنها الجامع الأزهر
, لما يسمع فيها من الدوي ,
و يرى من الجد و الاجتهاد القوي , فنبغ فيها الكثير و
برع , بعدما رتع في روضها و
شرب من حوضها و كرع , فرجع البعض إلى أهليهم , وبثوا ما تعلموه فيهم , و
عمروا عندهم المساجد , فكثر الراكع فيها و الساجد , و رأوا أنهم
كانوا في جاهلية لا يعلمون
من الدين شيئاً. ثم عدت عوادي الدهر عليهم فتفرق الباقون منهم أيدي سبأ فمات
البعض برداً , و البعض قتلاً, و البعض أسره العدو و سبا, و
بعدما وضعت الحرب أوزارها ,
و أطفأ الله نارها , رجع القليل منهم و يضبط الآن دفتر المدرسة نيفاً و
ثلاثين طالباً, و ترتيب الدروس فيها ترتيب الأزهر القديم تفسيراً و
حديثاً و فقهاً و نحواً.,
إلا أن المسامحة عندنا في شعبان ورمضان فقط, و نقرأ في رمضان التفسير و
الحديث و القرآن تلاوة و مدارسة. وجل القراءة فيها لم ينقطع و ولله
الحمد , حتى في السنين
الشديدة الماضية, حيث لم يكن لي سبب دنيوي يعوقني عن ذلك, و أرى الاشتغال
بالعلم لي كالبحر للسمك, كلٌ ميسر لما له خلق, و لله الحمد و المنة.
عناية أزلية جل حكمُ الأزل
أن يضاف إلى العلل, و أين كنت حين واجهتك عنايته و
قابلتك رعايته, و قد رزقت من
فيض الله العز و القبول و المنزلة التامة عند الخاصة و العامة, و رتب لي
من بيت المال خمسمائة قرش, عملة شامية, معاش يغني الفقير القانع
ما عاش, و إني أرى ذلك ببركة
سيدي و سندي و أستاذي و عوني و ملاذي القطب الكبير و العلم الشهير أبي
عبد الله سيدي محمد عليش رضي الله عنه و أرضاه, و حياه الله
بالبشرى, و أنزل عليه روحاً
من عنده, و ببشرى سيدي عبد الرحمن في الإجازة التي كتبها لي, و مع هذا
كله أرى بانفصالي عنكم أني استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير,
لقد خاب من رضي دونكم بدلاً,
و خسر من ابتغى عنكم تحولاً, و لكن ما شاء الله كان و
ما لم يشأ لم يكن . اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها, و أجرنا من خزي
الدنيا و
عذاب الآخرة, اللهم كما كانت بك
بدايتي فاجعل إليك نهايتي)). و كان الطلاب في
المدرسة على قسمين. قسم من
ديرعطية وقسم من سواها من المدن و القرى, أما الأولون فكانوا يستمعون
الدروس ثم يؤوبون إلى بيوتهم, و أما الآخرون فمقامهم في المدرسة ليل
نهار, وكان المستطيع منهم
ينفق على نفسه, أما المعسر فكانت رعاية الشيخ و أهل الخير له مستمرة , و قد
جد الطلاب و اجتهدوا, و استفادوا و أفادوا بعد أن رجعوا إلى
بلدانهم, فنشروا العلم و
العرفان. و استمرت المدرسة على هذا النحو إلى أن حدثت فاجعة ديرعطية
بسيلها الكبير الذي هدم البيوت و أزهق الأرواح , و خرب الديار
. فكانت المدرسة إحدى
ضحاياه. و يعود الشيخ و قد جاوزت سنه التسعين يسعى ليجدد
بناءها, ويعيدها إلى سالف عهدها, فيتمكن من ذلك, ويعاود إلقاء الدروس حتى
آخر
حياته, فينقطع الطلبة أو يكادون, و
تغلق المدرسة أبوابها أو تكاد, كأنما أراد الله
لها أن تكون ظل الشيخ, أقامت ما أقام, حتى إذا أدركه الرحيل أشارت بالوداع
أنا في حالٍ تعالى
اللـــــــــه ربي أي حال
ليس لي شيء إذا ما قيل ذا لك
قلت: ذا لي
فبساط الأرض فرشي و السموات
ظلالي
و لقد أفلست حتــــــــــــــى
حلّ أكلي لعيالي
من رأى شيئاً محالاً فأنا
عين المحال
لو
بقي في الناس حر لم أكن في مثل حالي
و لم أزل على تلك الحالة إلى
أن أصبت من
جراية الأزهر رغيفين بعد مضي سنتين,
و تمام الجراية ستة أرغفة بالتدريج , فتم لي
ستة أرغفة بعد ست سنين فكنت
آكل ثلاثة أبيع ثلاثة. إلى أن فتح الله علي ووسع فكنت أتصدق بالكل)).
أما كيف كانت هذه التوسعة؟
فذلك بتسخير الله تعالى له رجلين
فاضلين كريمين من تجار مصر,
و جدا فيه الشيخ الطاهر, و العالم الصادق, و الزاهد الحق, فأعانه على
طلب العلم و إقامة حاله, و أمده ببعض حاجته من الكتب. و قد توثقت
صلته بهما. و ارداد إكبارهما
له. فكانا فكانا يوكلانه بتوزيع يعض أموالهما على مجاوري الأزهر , و
لم يكن ما يوزعانه بالشيء القليل, فهما تاجران كبيران ولم يدخران
مالاً في سبيل الله تعالى, و
لقد حفظ الله لهما الشيخ أياديهما البيضاء عليه, فعاش حياته داعياً لهما,
شاكراً فضلها, مثنياً على ما قاما به, ناشراً في كل مجلس عرفهما
الطيب و شذاهما العطر. و كان
أول الرجلين السيد حامد بن عباس سليق الدمشقي الأصل و قد توفي بعد سنتين
من قدوم الشيخ مصر, و أما الأخر, و قد كان أكبر في الفضل , فهو
السيد ابراهيم وفا الحمصي
الأصل. و قد توفي بعد رجوع الشيخ من مصر, رحم الله الرجلين و أثابهما.
و يمضي به الزمن بالأزهر ,
سنوات قليلة العدد, و ينتقل من
طور الطلب و العلم إلى طور
التعليم, و يساعده على هذا الانتقال السريع نسبياً ما اكتسبه في دمشق, و
ما وعاه في بلده. و يجلس في جنبات الأزهر إلى عمود من أعمدته,
يقرر درسه, و يملي شرحه,
فيتحلق حوله الطلبة من شتى الأمصار. و يشاء الله تعالى أن
يكتب له النجاح في تدريسه, و أن يشتد الإقبال على دروسه. و يعجب به أشياخه
الكبار,
ممن علت بهم السن, و شدت إلى علمهم
الرحال . فكل يثني عليه, و كل يحض على القراءة
عليه. و هذا شيخه العلامة
محمد الأشموني رحمه الله تعالى يفد إليه العلماء و الطلبة حين جلوسه بعد
العصر في الأزهر- و كان من عادته ألا يقرر إلا درساً واحداً في اليوم
– تبركاً به و تقبيلاً ليده,
فيسأل هذا أو ذاك على من تقرأ؟ فيقول: على فلان فيقول:
إنك لم تصب, اقرأ على الشيخ
القصاب , فمن قرأ على الشيخ القصاب فقد أصاب, و يرجى له الفوز و النجاح.
و تستمر حلقاته في الأزهر
قريباً من عشرين سنة, ما انقطع عنها
سبيل غاية مهما عظمت, و ما
تركها في سبيل حاجة مهما كانت, و قد شملت دروسه في الأزهر شتى الفنون,
و حفلت بكل أنواع العلوم التي تدرس, و لم تكن علوم العربية
بأقلها شأنا, و لا أخفضها
منصباً, بل لقد برع فيها, حتى أن بعض الطلاب كانوا يفدون لتعلم العربية فقط
في حلقته, ما لهم همة في شيء سوها.
و لكن هل كانت حياته في مصر مقصورة على
التدريس فقط؟ أم كان هناك إلى جانب التدريس و التعليم أشياء أخرى؟!
الحق أن حياته هناك توزعتها
أمور ثلاثة:
العلم أولها بلا شك, و سيره
على خطا
القوم ثانيها , و أما ثالثهما فكان
الطواف على رحاب أهل البيت و التنعم بأنوار
أضرحتهم المباركة, و الخلود
إليها في كل حين و قد كان سعيداً بذلك كل السعادة,
واجداً في حياته تلك متعته و غايته, ما خطرت له العودة يوماً ما, و لا مر
بباله طيف
الزواج, و لا رأى أنه يمكن أن يكون
غير ذلك. و كان حاله في العلم ما رأينا. أما
اقتفاؤه أثر القوم, فقد خطا خطواته الأولى في بلده, ثم تابعها في دمشق, و
هو هنا
يشتد في رحيله, فقد ألفى الله في
قلبه محبة كتب القوم , فطفق يقرأها, و يديم النظر
فيها, و يجول في مرابعها,
متغلغلاً فكره في دقائقها, و قلبه في لطائفها, و تكون آثر الكتب لديه حكم أبي
الفضل, و إحياء أبي حامد, ورسالة أبي القاسم, و قوت أبي طالب, و
أسفار أبي بكر و سواها. و مع
القراءة التطبيق, و السير على الطريق. فطريقة القوم ليست قراءةً و
استرسالاً , بل هي أيضاً حال, و خدمة رجال, و يتصل قيامه و أوراده, و
أدعيته و تأملاته, وصحبته
رجال الله, من خصهم بألطافه, و أكرمهم بمنحه, و أسبغ عليهم رداء قبوله:
سيدي محمد عليش , و سيدي
محمد الاشموني, و غيرهما و يستمر
طوافه على روضات اهل البيت ,
و أولياء الله الصالحين ,و عباده المقربين . كل هذا و هو يكبح جماح نفسه,
و يتقي سورة جسده. سالكاً مسلك الأحرار, مفرغاً القلب من
الأغيار,منتقلاً من حال إلى
حال, حتى منّ عليه. فأسلم إلى صاحب الزمام القيادة, و أدرج على السفين
التوكل روحه, و نشر القلوع لرياح القدرة, و هتف باسم الله مجراها,
فسارت به على مياه النعم , و
وقفت به في موانئ الكرم , و رشف من المعين , ثم نهل
بعد حين و غدا على الدرب الأمين. فيبهت الكون في هذه الرؤيا, و تتلاشى من
النفس
قسماته, و تتبدد من الصدر ظلماته ,
و تشف الحجب,و تنكشف الأستار, و تتبدى الأنوار
, و يبدل بملك يجدد خلقه, و
يقدر رزقه, ملكاً لا يبلى و نعيماً لا يبلى.
و أما حبه لآل البيت – وهو
الباعث الأكبر على إقامته في مصر , و اتخاذها موطناً له , و مسكناً
و ملجأً غير راغب عنها
ببديل- فلا أستطيع أن أصف مقداره, و لا أن أوفيه بعض حقه, و ما علي إلا أن
أستشهد هنا بما كتبه هو
و كنت إذا قضيت أربي من زيارة أهل
البيت, خرجت إلى زيارة الإمام الشافعي في قرية بعيدة عن الأزهر
نحو ساعة, فأصلي العصر في
مقامه الرحب الواسع المنير, ثم أخرج لزيارة الإمام الليث,
بقرية مجاورة لقريته, ثم أذهب لزيارة موالينا الكرام آل الوفا, بحور العلم
و الكرم
و الفتوة و الصفا, في سفح جبل
المقطم على نصف ساعة من قرية الإمامين, فأبيت ليلة
السبت في زاويتهم الشريفة,
الرفيعة المنفية, و سبب معرفتي بهم و المبادرة لزيارتهم أني كنت أول الأمر
كلما سمعت الناس يقولون: زرنا ساداتنا الوفائية, حضرنا موالدهم,
تعروني لذكرهم هزةٌ مطربة,
فسألت أين هم مدفونون؟ فأرشدت إلى ذلك المحل الشريف و
اتصلت معرفتي بإمام الجامع الكائن في تلك الزاوية, وهي تشتمل على ثلاثة عشر
محلاً,
وفي كل مسكن أهل فقراء, و قوتهم من
أوقاف أهل السادة, فكان الإمام و اسمه الشيخ علي
السروي, يأتيني بالفراش و العشاء, و إذا أصبحت و أردت الرجوع يأتيني بطعام
و قهوة,
ثم أطوف في المقامات الشريفة
المنيفة. و كنت لا أمل من النظر إلى المقصورة التي
فيها سيدي علي وفا ووالده
السيد محمد وفا, ثم أرجع للأزهر فأدرك الدرس)).
و يقيم
رحمه الله تعالى في أزهرها سبعاً و عشرين سنة إقامة متصلة من عام 1288هـ
إلى عام 1314هـ
دارساً مدرساً فيه, مقسماً أوقاته كما ذكرنا, غير راغب بترك موطنه الجديد,
كارهاً من يحثه على ذلك,
واجداً في باعثه الثلاثة: العلم و العبادة و أهل البيت,
خير مبرر له للاقامة هناك,
معللاً نفسه بعدم العودة ما عاش, و لكن كل هذه البواعث,
و كل هذه التعــلات تهاوت
أمام ما قدره الله تعالى و قضاه, و حكم به منذ الأزل و أمضاه. فإذا به بين
عشية و ضحاها, يفارق جنته و يغادر روضته, و يترك مصر لتطأ
أقدامه أرض الشام بعد طول
اغتراب, مستبدلاً الذي هو أدنى بالذي هو خير- على حد قوله- و لو خير لما
اختار, ولو ترك و شأنه ما توجه من مصر و لا أقلته رجلاه. و لا
ابتغى سواها مسكناً و لكن
مشيئة الله لا ترد.
أما كيف كان كل ذلك فقد كتب
رحمه
الله تعالى باختصار عنه:
(( ما كان الحامل لي على
الإقامة في مصر إلا محبتي لآل
البيت, و كثرة تردادي على
أعتابهم, أداء لبعض حقوقهم علينا و كنت أقول:
تالله
لولا حب آل المصطفى لغدت أماكن مصر قاعاً صفصفا
و كان بعض علماء المغاربة
يقول : ((
لولا أهل البيت و الريف لبعت مصر
برغيف)) و كنت أقول بقوله, و أكره السفر إلى
بلاد الشام و من يحثني عليه,
إلى أن حدثت حادثة الأزهر التي تشيب لهولها الأطفال، ونجاني الله منها،
وحاصل ذلك:أنه حصل في مصر مرض الكوليرا فطفقت الحكومة إذا سمعت
بمرض ترسل الطبيب والمعاون
فيأخذانه إلى المستشفى ، وقد جعلوا جعلاً لمن يخبرهم بمريض ، فوقع عندنا
في الرواق رجل ، فأخذوه في عربة سوداء ، فمات قبل أن يصل
المستشفى, ثم وقع رجل آخر في
الرواق المغاربة, فدافعوا عنه كل المدافعة, و ادعوا أنهم حماية دولة
فرنسا, فتركوه لهم, فلهج أهل مصر بقولهم المغاربة جدعان, و الشوام
أنذال, بل هم ما ينفعوش))
فقامت بهم الحمية, فصمموا إذا وقع بهم مريض لا يسلمونه,
فاتفق أنه وقع عندهم مريض آخر, فجاء الطبيب و المعاون و وكيل الأزهر لأخذه,
فلم
يمكنوهم منه اقتداء بالمغاربة, فحصل
بينهم و بين الآخرين مشاجرة بالكلام حتى وصلوا
إلى الضرب بالأيدي و الأحجار و العصي, فضرب المجاورون المعاون على رقبته فجرحوه.فأرسل إلى
المافظة المسماة ((بالقشلة)): أن أرسلوا لنا قوة نارية. فأرسلوا
طابوراً, ز كان المجاورون قد
أغلقوا الأبواب بعدما امتلأ الأزهر من المجاورين و الفلاحين و أهل
السوق , فلما وصلوا وجدوا الأبواب مغلقة, فأطلقوا عليها الرصاص
فكسروها, ثم أطلقوا النار في
الأزهر حتى قتل خمسة أنفار, منهم رجل حموي يقال له:
(( حسن الشقفة)), كان آخذاً
بالجد و الاجتهاد , معمراً أوقاته بتلاوة القرآن و تلقي
العلم, و القيام بالليل,
فتأسفت عليه كل الأسف و قلت : لموت قبيلة مثل المريض الذى جرى بسببه الحادث
أهون من موته, إذ المريض المذكور كان لا يحسن العبارة بينما
القتيل كان عالماً محصلاً, و
كان وكيل الأزهر في أثناء المشاجرة يذهب إلى شيخ الرواق ليفصل بينهم
فيحيله على شيخ الأزهر و هو يحيله على شيخ الرواق. و لو حضر
أحدهما و أمر المجاورين
بتسليم المريض لم يحصل ما حصل , و كان بعض الشر أهون من بعض, و ما كنت أظن
أنها تصل لهذا الحد, و لو كنت أعلم ذلك لبقيت في الرواق و أمرت
المجاورين بتسليم المريض
لهم, لأنهم يطيعون أمري أكثر من الشيخين.
ففي ليلة الحادث بلغني أن
المعاون ومن معه في غد يأتون لأخذ المريض فلما أصبحت أصبحت مقبوضاً
قبضاً شديدا
و في اليم الثاني من الفتنة
نادى و كيل الأزهر : من كان له شيء في
الرواق فليأخذه, فإنا نريد
أن نقفله, فلما ذهبت إلى الأزهر فإذا هو مقفر , الأبواب مكسورة . و
الدربزونات محرقة , و رأيت باب حجرتي مكسراً , فاضطرب قلبي لأمانات كانت
عندي في الصندوق , و المفتاح
بها, فنظرت إلى الأمانة فإذا هي بحالها و كذلك ثيابي و كتبي , و كنت أقول
لما بلغني أنهم كسروا الأبواب : اللهم لا أسألك كتبي و لا ثيابي
و لكن أسألك الأمانات. و
كتبت على أثر الحادثة كتاباً قلت فيه بعد الثناء على الله
, و الصلاة و السلام على
رسول الله :
أما بعد فإذا بلغتكم حادثة
الأزهر فاعلموا
أنه لم يصبن من شرار شرها
شيء, إذ كنت خارج الحصار ذلك النهار.
فاضطرب لذلك أهلي و لا سيما أخي
الحاج أحمد فإنه لم يقرّ له قرار, و لم يكن عنده اصطبار, فامتطى
الرحال , و أخذ في الترحال .
حتى أتى مصر , فساقني منها بعصا غلاظته و سيف فظاظته,
و طفق المجاورون يقبلون يديه, و يرجونه ليتركني , و يقولون إنه كأبينا إذا
أخذته
تيتمنا. فيرفع عليهم العصا ,
فينهزمون خوفاً منه. و لم يرضى لي أحد من العلماء أو
التجار السفر مع أخي, فجمعوا له خمس عشرة ليرة و قالوا له: اترك لنا الشيخ
فإنه لا
غنى لنا عنه , فردها في وجوههم و لم
يقبلها, وقال : أنا ما أتيت لأخذ الدراهم و
الدنانير , بل أتيت لأخذ أخي, و أنتم ما دخلتم بين أخي و بيني و لا خرجتم
فكفوا عنا
شركم. فعندها سلمت أمري إلى الله و
ذهبت معه متوكلاً عليه, قائلاً: و عسى أن تكرهوا
شيئاً وهو خير لكم]. فكانت عاقبة ذلك حميدة, و لله الحمد لا أحصي ثناء عليه